قلت: ولا تنافي بين القصتين , فقد كان تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية سمرة تصرفًا بحق الإمامة , وسيأتي بعد قليل بيان بالظروف التي يكون فيها للإمام التصرف بحق الإمامة , وكان تصرفه صلى الله عليه وسلم في قضية أبي لبابة تصرفًا بمقتضى النبوة , فقد قضى بحق الإمامة لأبي لبابة بالعذق , فلما تأذى منه اليتيم , لم ير أن يقضي له بحق الإمامة ما يدفع عنه الأذى ليس إصرارًا على حكمه الأول , ولكن - حسب ما يدل مصير القضية ومن كان الحل على يديه - لوحي أو مكاشفة من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بما سيصير إليه أمر القضية , أو لأنه صلى الله عليه وسلم ما زال يأمل في أبي لبابة أن يرجع عن إصراره , لذلك أمهله مليا , ولعله رآه في حالة نفسية متشنجة , فاستأنى به لعله يراجع أمره بعد أن يهدأ. ويشهد لهذا الاحتمال ما جاء في أول القصة في الرواية الثانية للبيهقي: من أن أبا لبابة خاصم يتيما له , ولعل اليتيم كان في حجره أو من قرابته , وأبو لبابة ليس من عامة الصحابة , بل من صفوتهم , فلا يبعد أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرج أو أشفق من أن يصدمه بما يكره , فاستأنى به على أمل أن يفيء إلى الخير , ومهما يكن فإن قصة "العذق " لا تعارض قصة "العضد " كما حاول البيهقي أن يوهم، وقد قالوا في قصة "العضد": إن أبا جعفر بن محمد عليه السلام لم يسمع من سمرة , وهذا قريب الاحتمال، فقد توفي سمرة - رضي الله عنه - وما يزال أبو جعفر طفلًا أو في بداية اليفاعة من سنيه , وقريب جدًا أن لا يكون سمع منه , فيكون الحديث مرسلًا , ولكن بأي مرسل إذا لم نعمل بمراسيل أبي جعفر وأمثاله من أئمة التابعين وأفاضلهم , لا سيما أهل البيت؟!
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ما يشبه قضية سمرة أو يقرب منها , من ذلك ما رواه البخاري وغيره من قصة الزبير مع رجل من الأنصار , ولفظه من البخاري (١) :
(١) ج: ٣. ص: ٧٦ , وانظر أبو داود السنن. ج: ٣. ص: ٣١٥. ح: ٣٦٣٧.