فالمصادرة كانت هي الأساس لرأي عمر وموقفه والعدول عنها كان استثناء، ونعتقد أن العباس رضي الله عنه - إذا صحت الروايات التي نقلناها آنفًا - كان مدركًا لذلك , وكان عازمًا من أول الأمر على النتيجة التي انتهى إليها آخره , وهي أن يتصدق بداره على المسلمين، بيد أنه أراد أن يثبت لعمر أنه وإن يكن خليفة للمسلمين لا سبيل له إليه , وربما ولا إلى غيره من بنى هاشم ما دام حيًا , ثم إن عمر أثار في نفس العباس ما حمله على التصلب لما ذكر له أن حجر أمهات المؤمنين - وهي مثل دار العباس ملاصقة للمسجد - لا سبيل إليها , وما كان العباس في أنفته ومكانه المتميز عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرضى بأن يكون أدنى منزلة من أمهات المؤمنين في تقدير عمر ورعايته.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث مضطرب اضطرابًا شديدًا لفظًا وسندًا , فقد وصله الحاكم عن طريق زياد بن أسلم , لكن ما نقله السيوطي عن عبد الرزاق كان مرسلًا , سواء كان عن زيد بن أسلم نفسه , أو عن سعيد بن المسيب , وقد جهدت أن أعثر في مصنف عبد الرزاق على ما نقله عنه السيوطي , فلم أهتد إليه في مظانه من المصنف , وأخشى أن يكون السيوطي قد أغفل بعض رجال سند عبد الرزاق , وذلك اعتمادًا على بعض التصرف الذي يظهر أنه من السيوطي فيما نقله عن ابن سعد.
ومهما يكن ففي الروايات المختلفة لهذا الأثر تغاير , يعسر تدارك بعضه , فبعضها ينص على أن عمر ترك إلى العباس أن يختار حكما , فاختار أبيا على حين ينص غيره على أن عمر اختار أبيا فقبله العباس , وتأتي رواية الحاكم الموصولة , فتذكر أن الحكم كان حذيفة بن اليمان , وليس أبيا , وإن احتفظت بما نقل على لسان أبي من حديث بناء بيت المقدس. ثم إن ما ذكرته هذه الروايات وغيرها مما نقل السيوطي عن الواسطي وابن مردويه بعد حديث عمر عن قصة بناء بيت المقدس شديد الاضطراب، فبعضها يتحدث عن بيت امرأة أراد داود أن يأخذها غصبًا , وبعضها الآخر يتحدث عن أرض أغلى صاحبها ثمنها , فأراد داود أن يأخذها غصبًا. وأخرى تتحدث عن أن سبب عدم بناء داود بيت المقدس وأرجائه إلى سليمان هو أن داود بنى لنفسه بيتًا قبل أن يأخذ في بناء بيت المقدس , فعاقبه الله بالحرمان من البناء، ثم إن بعضها يذكر أن داود أو سليمان شرع في البناء , وكلما بنى حائطًا وجده قد انهدم صباح اليوم الثاني؛ لأنه كان يبني في أرض يملكها مالك لم يستأمره في شأنها , فضلًا عن أن يتم الاتفاق معه على ثمنها. فليت شعري ما هو الاضطراب إن لم يكن هذا الذي أشرنا إلى بعض منه في هذا الحديث.