والثالث: أنه حتى لو لم يضطرب هذا الحديث على هذه الشاكلة , فإن في بعض من وصلوه عند الحاكم ينزل بسنده عن درجة الصحة على أيسر اعتبار , وفي روايتي ابن سعد وأستاذه الواقدي , وكفى به سببًا للنزول بالحديث عن مستوى درجة الصحة , فضلًا عن كلام في بعض رجاله أيضًا.
وقد يقال: وإذن فما فائدة إيراده في هذا البحث , وجوابنا أن الفائدة من إيراده هي أولا تبيان عدم حجيته وخطأ الذين احتجوا به، وثانيًا: تبيان أنه حتى على فرض صحة الاحتجاج به يدل بفحواه على ما نذهب إليه من تحكيم المصلحة العامة فيما قد يتراءى مصلحة خاصة , وأن اعتبارها يعلو فوق كل اعتبار غيرها , وثالثًا: تبيان الجهة التي يكون لها الاختصاص بالأصالة في تقدير المصلحة العامة وتعيينها وتحديد ظروفها ومقتضياتها , وهي ما أطلق عليه الفقهاء والأصوليون (حق الإمامة) أو (حق الإمام) , وكان لهم فيه كلام طويل , وأحيانًا متغاير , بيد أنه لم يختلفوا في جوهره , وإنما انحصر اختلافهم في تطبيقه عامة , وفيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعتبره بعضهم تطبيقًا لهذا الحق , بينما يعتبره آخرون من الفتوى أو من التشريع , وليس هذا مجال مناقشتهم في اعتباراتهم التطبيقية هذه , إنما عرضنا لها لبيان أن (حق الإمامة) في جوهره ليس محل خلاف معتبر ولا التفاتة شذوذ بعض المتفقهة والأثر المروي عن قصة عمر مع العباس وتوسيع الحرم النبوي , نرجح أن له أساسًا , وأن ما ألمعنا إليه آنفًا من اضطراب أسانيده وبعض ألفاظه لا ينفي أن يكون له أساس , فلا مراء في أن عمر وسع المسجد النبوي , وأدخل فيه بيوتًا كانت حوله لما كثر المسلمون في المدينة كما فعل في الحرم المكي، ولا مراء في أن عثمان فعل ذلك في الحرمين معًا , وحاج بعض الناقمين عليه فيما آخذوه به من إجباره أرباب البيوت المجاورة للمسجدين على قبول التعويض عن بيوتهم وتركها بأنه لم يخرج عن سنة سنها عمر , وأنهم استضعفوه فنقموا عليه , وكانوا يرهبون عمر , فلم يستطيعوا أن ينقموا عليه.