للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتصرف عمر مع العباس وعدوله عن إكراهه إلى التحكيم بينهما لا يختلف في جوهره حكما عن تصرفه مع غيره في مكة أو في المدينة مما اضطرهم اضطرارًا إلى التخلي عن بيوتهم لما تعينت المصلحة العامة في توسيع الحرمين الشريفين، ففي الموقفين تصرف بمقتضى (حق الإمامة) أو (حق الإمام) , ولا يوجد ما يلزم الإمام شرعًا بأن يكون تصرفه مع الناس على اختلاف مراتبهم ومواقعهم متماثلًا شكلًا. إنما الذي يلزم الإمام شرعًا أن يزن تصرفه معهم جميعًا متماثلًا في جوهره. أما أسلوب التصرف فموكول إلى اجتهاده ما من عاقل أو فقيه واع يستطيع أن يماري في ذلك.

ونحسب أن تصرف عمر مع العباس تصرفًا قائما على اعتبار موقعه في المجتمع الإسلامي واحترامه لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس غريبًا عن حالة نفسية سابقة كانت بينه وبين العباس لا نعرف أول منشئها , ولكنا نعرف أنه كانت من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عهد إلى عمر بجباية الصدقة.

قال أبو عبيد (١) :

"حدثنا يزيد , عن حجاج بن أرطاة , عن الحكم بن عتبة , قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة , فأتى العباس يسأله صدقة ماله , فقال: قد عجلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة سنتين، فرفعه عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: صدق عمي , قد تعجلنا منه صدقة سنتين)) .

قال أبو عبيد: كان هشيم يزيد في إسناد هذا الحديث عن منصور , عن الحكم , عن الحسن بن مسلم: حدثت بذلك عنه ولا أحفظه منه.

وحدثونا عن إسماعيل بن زكريا , عن الحجاج بن دينار , عن الحكم بن حجية بن عدي , عن علي , عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك , أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين.

وقال ابن زنجويه (٢) :


(١) الأموال. ص: ٧٧٦ و٧٧٧. ح: ١٨٨٤ و١٨٨٥.
(٢) الأموال. ج: ٣. ص: ٧٨. ج: ٢٢٠٧ و٢٢٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>