"عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو , قال: حدثنا هشام - يعني ابن سعد - عن زيد بن أسلم , عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا يفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر.
وواضح أن بين هذا الأثر والآثار السابقة له عن عمر ما يشبه أن يكون عمر قد رجع عن احتباس الأرض المفتوحة عنوة وقفا لبيت مال المسلمين , ترجع عوائده على الأجيال المتعاقبة إلى قسمتها بين الفاتحين , وقد اعتمد ابن حزم في المحلى (١) هذه الرواية , فاستظهر بها لما ذهب إليه في هذا الشأن، بيد أننا نرتاب في صحتها متنا لما بين بعض ألفاظها وألفاظ الروايات الأخرى من شبه يوحي بأن فيما اختلفت فيه عن الروايات الأخرى وهما، وقد عرف هشام بن سعد بأنه صدوق , ولكن له أوهام (٢) . وسيأتي عن عمر من التصرفات ما يعضد ما ذهبنا إليه في هذا الشأن على أن احتباس الأرض المفتوحة عنوة أو الرجوع عن احتباسها لو ثبت كلاهما يعضد ما نستظهر به من أعمال عمر على اعتبار التصرف بمقتضى الإمامة طبقًا للمصلحة العامة قاعدة شرعية ثابتة تضبط تصرفات أولي الأمر , وتحكم ما قد تتغاير فيه المصلحتان العامة والخاصة.
قال يحيى بن آدم (٣) :
"حدثنا قيس بن الربيع , عن رجل من بني أسد , عن أبيه قال: أصفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى أصفى أرضه , وأرض من قتل , ومن هرب , والآجام ومغيض الماء.
قلت: كان حذيفة عاملًا لعمر.
وقال:
"حدثنا عبد الله بن المبارك , عن عبد الله بن الوليد بن عبد الله بن معقل , قال: حدثني عبد الملك بن أبي حرة , عن أبيه قال: أصفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا السواد عشرة أصناف , أصفى أرض من قتل في الحرب , ومن هرب من المسلمين , وكل أرض لكسرى , وكل أرض كانت لأحد من أهله , وكل مغيض , وكل دبر بريد , قال: ونسيت أربعًا , قال: وكان خراج ما أصفى سبعة آلاف ألف , فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان , فأخذ كل قوم ما يليهم.
(١) ج: ٧. ص: ٣٤٣.
(٢) انظر ابن حجر في تهذيب التهذيب.
(٣) الخراج. ص: ٦٣.الأثر: ١٩٧ و١٩٩. وانظر أيضًا السنن الكبرى ج: ٩. ص: ١٣٤.