[كِتَابُ الرَّهْنِ]
ِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ. يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ. أَيْ رَاكِدٌ. وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ. أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْحَبْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: ٢١] وَقَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: ٣٨] . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ. وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ. وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَهُوَ جَائِزٌ. بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: ٢٨٣] . وَتُقْرَأُ: فَرِهَانٌ. وَالرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، وَالرُّهُنُ: جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ.
[فَصْلٌ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ]
(٣٢٧٢) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ، كَمَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مُجَاهِدًا، قَالَ: لَيْسَ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ فِي الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: ٢٨٣] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.