أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْت صَانِعًا مِثْلَ حَفْصَةَ، صَنَعَتْ طَعَامًا، فَبَعَثَتْ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَنِي الْأَكْلُ فَكَسَرْت الْإِنَاءَ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْت؟ فَقَالَ: إنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَنَسٌ، «أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَرَتْ قَصْعَةَ الْأُخْرَى، فَدَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْعَةَ الْكَاسِرَةِ إلَى رَسُولِ صَاحِبَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا، وَرَدَّ مِثْلَهُ. وَلَنَا؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا، وَتَتَبَايَنُ صِفَاتُهَا، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى. وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَرْضَى بِذَلِكَ. (٣٩٣٢) فَصْلٌ: وَمَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ، وَتَتَقَارَبُ صِفَاتُهُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ: كُلُّ مَطْعُومٍ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ. وَأَمَّا سَائِرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ: مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ. فَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا.
وَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا، وَفِيهِ إتْلَافٌ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.