إحْدَاهُمَا؛ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ سُورَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، وَوَعَظَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَجِبُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بَيَانُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخُطْبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَتَى بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩] وَلَمْ يُعَيِّنْ ذِكْرًا، فَأَجْزَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ، وَيَقَعُ اسْمُ الْخُطْبَةِ عَلَى دُونِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: " لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ ".
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الذِّكْرَ بِفِعْلِهِ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ، قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» . وَقَالَ جَابِرٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ. كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ» . فَأَمَّا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ فَلَا يُسَمَّى خُطْبَةً. وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ، وَمَا رَوَوْهُ مَجَازٌ؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً، وَلِذَلِكَ لَوْ أَلْقَى مَسْأَلَةً عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَكْفِي فِي الْقِرَاءَةِ أَقَلُّ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا، بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَتِهَا، دُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، مَا شَاءَ قَرَأَ. وَقَالَ: إنْ خَطَبَ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. وَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ. وَالْخِرَقِيُّ قَالَ: قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَقْرُوءَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى خُطْبَةً، وَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، فَأَجْزَأَ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ دَلِيلٌ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.