{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] .
وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.» وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَلِي الِاسْتِفْتَاحَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ، فَلَزِمَ أَنْ يَلِيَهُ مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا.
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ فَعَلَ هَذَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، فَإِنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ قَالَ غَيْرَهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. أَوْ مَا شَاءَ مِنْ الذِّكْرِ، فَجَائِزٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُكَبِّرُ مُتَوَالِيًا، لَا ذِكْرَ بَيْنَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ، كَمَا نُقِلَ التَّكْبِيرُ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ جِنْسٍ مَسْنُونٍ، فَكَانَ مُتَوَالِيًا، كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَلْقَمَةُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُوسَى، وَحُذَيْفَةَ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ قَبْلَ الْعِيدِ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ هَذَا الْعِيدَ قَدْ دَنَا، فَكَيْفَ التَّكْبِيرُ فِيهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَقْرَأُ ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرَأُ وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرْكَعُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، فِي " سُنَنِهِ "
وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ، وَتُفَارِقُ التَّسْبِيحَ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ. وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ آيَةٍ، لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. (١٤١٧) فَصْلٌ: وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالذِّكْرُ بَيْنهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ، وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، كَالِاسْتِفْتَاحِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَعُودُ إلَى التَّكْبِيرِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ، فَيَأْتِي بِهِ كَمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُكَبِّرُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ، لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَعَمِّدًا بِذِكْرٍ طَوِيلٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ شَيْئًا يَسِيرًا احْتَمَلَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.