فِي النِّصَابِ وَهُوَ سَبَبٌ، فَضَمُّهُ إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ أَوْلَى.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، مَضَى عَلَيْهَا نِصْفُ الْحَوْلِ، فَوَهَبَ لَهُ مِائَةٌ أُخْرَى، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا تَمَّ حَوْلُهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَوْلَا الْمِائَتَانِ مَا وَجَبَ فِيهَا شَيْءٌ، فَإِذَا ضُمَّتْ إلَى الْمِائَتَيْنِ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ، وَلِأَنَّ إفْرَادَهُ بِالْحَوْلِ يُفْضِي إلَى تَشْقِيصِ الْوَاجِبِ فِي السَّائِمَةِ، وَاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْوَاجِبِ، وَالْحَاجَةِ إلَى ضَبْطِ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ، وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مَلَكَهُ، وَوُجُوبِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْرَاجِهِ، ثُمَّ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَوْلٍ وَوَقْتٍ، وَهَذَا حَرَجٌ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] .
وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذَلِكَ بِإِيجَابِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، وَجَعَلَ الْأَوْقَاصَ فِي السَّائِمَةِ، وَضَمَّ الْأَرْبَاحَ وَالنِّتَاجَ إلَى حَوْلِ أَصْلِهَا مَقْرُونًا بِدَفْعِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِهِ فِي السَّائِمَةِ؛ دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ فِي الْوَاجِبِ، وَكَقَوْلِنَا فِي الْأَثْمَانِ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهَا. وَلَنَا، حَدِيثُ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَالِمٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَفَادِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ أَصْلًا، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ شَرْطًا، كَالْمُسْتَفَادِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْأَمْوَالُ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، لِأَنَّهَا تَتَكَامَلُ ثِمَارُهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلِهَذَا لَا تَتَكَرَّرُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَهَذِهِ نَمَاؤُهَا بِنَقْلِهَا، فَاحْتَاجَتْ إلَى الْحَوْلِ.
وَأَمَّا الْأَرْبَاحُ وَالنِّتَاجُ، فَإِنَّمَا ضُمَّتْ إلَى أَصْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ، وَمُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ ضَمِّهَا، مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَرَجِ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَاحَ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ فِي الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَيَعْسَرُ ضَبْطُهَا، وَكَذَلِكَ النِّتَاجُ، وَقَدْ يُوجَدُ وَلَا يُشْعَرُ بِهِ، فَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَتَمُّ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقِلَّةِ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ وَالِاغْتِنَامَ وَالِاتِّهَابَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْدُرُ وَلَا يَتَكَرَّرُ، فَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنْ شَقَّ فَهُوَ دُونَ الْمَشَقَّةِ فِي الْأَرْبَاحِ وَالنِّتَاجِ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَالْيُسْرُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالتَّعْجِيلِ، وَمَا ذَكَرُوهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.