وَقَد يَحْصُلُ تَذَكُّرٌ بِلَا خَشْيَةٍ، وَقَد يَحْصُلُ خَشْيَةٌ بِلَا تَذَكُّرٍ، وَقَد يَحْصُلَانِ جَمِيعًا وَهُوَ الْأَغْلَبُ.
وَأَيْضًا: فَذِكْرُ الْإِنْسَانِ يَحْصُلُ بِمَا عَرَفَهُ مِنَ الْعُلُومِ قَبْلَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ، وَخَشْيَتُهُ تكُونُ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْوَعِيدِ.
فَبِالْأوَّلِ: يَكُونُ مِمَن لَهُ قَلْبٌ يَعْقِلُ بِهِ.
وَالثَّاني: يَكُونُ مِمَن لَهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ بِهَا (١). [١٦/ ١٧٩ - ١٨٠]
١٥٢٧ - ذَكَرَ اللهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ؛ [أي: قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه] فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، يُبَيّنُ فِي كلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا مِنَ الِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الْآخَرِ؛ كَمَا يُسَمَّى اللهُ وَرَسُولُهُ وَكِتَابُهُ بِأَسْمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كُلُّ اسْم يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارٌ، بَل فِيهِ تَنْوِيعُ الْآيَاتِ؛ مِثْل: أَسْمَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذَا قِيلَ: مُحَمَّد وَأَحْمَد وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ وَالْمُقَفَّى وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، فِي كُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى لَيْسَ فِي الِاسْمِ الْآخَرِ، وَإِن كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَة فَالصِّفَات مُتَنَوِّعَةٌ.
فَهَذَا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي الْجُمَلِ التَّامَّةِ يُعَبّرُ عَنِ الْقِصَّةِ بِجُمَلٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ فِيهَا ثُمَّ
(١) وعلى هذا: فإنّ (أو) على بابها على الراجح، وليست للعطف كما هو قول كثير من المفسرين والنحويين.قال ابن القيِّم: اعْلَمْ أن الرَّجُلَ قَد يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وَقَّادٌ، مَلِيءٌ كل بِاستِخْرَاجِ الْعِبَرِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْحِكَمِ، فَهَذَا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلَى التَّذَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَإذَا سَمِعَ الآيَاتِ كَانَت لَهُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَهَؤُلَاءِ أكْمَلُ خَلْقِ اللهِ، وَأَعْظَمُهُم إِيمَانًا وَبَصِيرَةً ..فَصَاحِبُ هَذَا الْقَلْبِ إِذَا سَمِعَ الْآيَاتِ وَفي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ الْبَصِيرَةِ ازْدَادَ بِهَا نُورًا إِلَى نُورِهِ. فَإنْ لَمْ يَكُن لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذَا الْقَلْب فَألْقَى السَّمْعَ وَشَهِدَ قَلْبُهُ وَلَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذكرُ أَيْضًا.قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)} [سبأ: ٦] فَكلُّ مُؤْمِنٍ يَرَى هَذَا، وَلَكِنَّ رُويَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، وَرُؤيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ. اهـ. مدارج السالكين (١/ ٤٤٢).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.