وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْمُزَارَعَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ أَحَقُّ بِالْجَوَازِ مِنَ الْمُزَارَعَةِ الَّتِي يَكُون فِيهَا مِن رَبِّ الْأَرْضِ، وَلهَذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُزَارِعُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ عَامَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِن أَمْوَالِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُم: السَّلَمُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَذَلِكَ أَنَّهُم قَالُوا: السَّلَمُ بَيْعُ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَيَكونُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ!
وَنَهْيُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَن بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ:
أ- إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنّةٍ، فَيَكُونُ قَد بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
ب- وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَيْعُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَإِن كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا أشْبَهُ، فَيَكُونُ قَد ضَمِنَ لَهُ شَيْئًا لَا يَدْرِي هَل يَحْصُلُ أَو لَا يَحْصُلُ؟ وَهَذَا فِي السَّلَمِ الْحَالِّ (١) إذَا لَمْ يَكن عِنْدَهُ مَا يُوَفِّيهِ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ.
فَأمَّا السَّلَمُ الْمُؤَجَّلُ فَإِنَّهُ دَيْنٌ مِن الدُّيُونِ، وَهُوَ كَالِابْتِيَاعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ وَكَوْنِ الْعِوَضِ الْآخَرِ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ؟
وَمَن كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِكَلَامِ النَّاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ رَأَى عَامَّةَ ضَلَالِ مَن ضَلَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين بِمِثْل هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ، الَّتِي يُسَوَّى فِيهَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا يُوجِبُ أَعْظَمَ الْمُخَالَفَةِ، وَاعْتَبِرْ هَذَا بِكَلَامِهِمْ فِي وُجُودِ الرَّبِّ وَوجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الِاضْطِرَابِ مَا قَد بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(١) اختار شيخ الإسلام ابن تيمية صحة السلم حالًا إن كان في ملكه وإلا فلا، خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.