وَمَنْ ادَّعَى خُصُوصَهُمْ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ النَّاسُ سَوَاءٌ فِي تَكْلِيفِ الِاعْتِبَارِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَهَؤُلَاءِ سَلَاطِينُ وَمَعَهُمْ الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ انْقَادَتْ لَهُمْ الْعَوَامُّ وَجَازَ لِلنَّافِينَ السُّكُوتُ عَلَى التَّقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ إنْكَارَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
، وَقَالَ: وَلَوْ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَزِمُوا الْعَمَلَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا مَا كُفُوًا عَنْ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ لَارْتَفَعَ بَيْنَهُمْ الْخِلَافُ وَالتَّهَارُجُ وَلَمْ يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ لَكِنْ لَمَّا عَدَلُوا عَمَّا كُلِّفُوا وَتَحَبَّرُوا وَتَأَمَّرُوا وَتَكَلَّفُوا الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ جَعَلُوا لِلْخِلَافِ طَرِيقًا وَتَوَرَّطُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ وَبِمِثْلِهِ طَعَنَتْ الرَّافِضَةُ فِيهِمْ أَيْضًا فَزَعَمُوا أَنَّ الصَّحَابَةَ تَأَمَّرُوا وَعَدَلُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ الْعَالِمِ بِجَمِيعِ النُّصُوصِ الْمُحِيطَةِ بِالْأَحْكَامِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَتَوَرَّطُوا فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْخِلَافِ، فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ طَعَنَ فِيهِمْ فَقَدْ ضَلَّ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَمَدْحَ رَسُولِهِ إيَّاهُمْ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ يَدُلَّانِ عَلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِمْ وَارْتِفَاعِ قَدْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ الْعَاقِلُ الْقَدْحَ فِيهِمْ بِقَوْلِ مُبْتَدَعٍ، مِثْلِ النَّظَّامِ وَبِقَوْلِ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الدِّينِ، وَنَابَذَ الْإِسْلَامَ أَيْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ وَمُحَارَبَتَهُ لِأَنَّ الدِّينَ وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ قِبَلِهِمْ فَمَتَى طُعِنَ فِيهِمْ لَمْ يَثْبُتْ بِنَقْلِهِمْ شَيْءٌ فَكَانَ الطَّعْنُ فِيهِمْ عَائِدًا إلَى الْإِسْلَامِ فِي التَّحْقِيقِ.
١ -
قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى خُصُوصَهُمْ) إلَى آخِرِهِ زَعَمَ مَنْ عَجَزَ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ عَنْ إنْكَارِ اسْتِعْمَالِ الصَّحَابَةِ الرَّأْيَ فِي الْأَحْكَامِ وَتَحَرَّزَ عَنْ الطَّعْنِ فِيهِمْ فِرَارًا مِنْ الشُّنْعَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ إمَّا بِمُشَاهَدَتِهِمْ الرَّسُولَ وَأَحْوَالَ نُزُولِ الْوَحْيِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُخْتَصِّ بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ رِعَايَةُ الْحِكْمَةِ الْعَامَّةِ وَعَدَمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ أَوْ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخْصُوصًا بِأَنَّ قَوْلَهُ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ قَطْعًا تَكْرِيمًا لَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فِيمَا فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِ النَّصِّ وَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمْ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ لِصُلْحٍ بَيْنَ الْأَنْصَارِ فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ اُمْكُثْ مَكَانَك فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ» ، وَقَدْ كَانَتْ سُنَّةُ الْإِمَامَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعْلُومَةً بِالنَّصِّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ بِالرَّأْيِ.
«وَكَتَبَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ هَذَا مَا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عُمَرَ: لَوْ عَرَفْنَاك رَسُولًا مَا حَارَبْنَاك اُكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَمْحُوَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَبَى حَتَّى مَحَاهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنَفْسِهِ» وَمَا كَانَ هَذَا الْإِبَاءُ عَمَلًا بِالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَاشْتَغَلَ مُعَاذٌ حِينَ سُبِقَ بِنَقْضِ الصَّلَاةِ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ كَانَ الْحُكْمُ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ، ثُمَّ يُتَابِعُ الْإِمَامَ وَكَانَ هَذَا عَمَلًا بِالرَّأْيِ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ وَفِي نَظَائِرِهَا كَثْرَةٌ وَكَذَلِكَ عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ مِنْ الْمَقَادِيرِ نَحْوُ حَدِّ الشُّرْبِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَبَتَ بِآرَائِنَا فَيَثْبُتُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِالْعَمَلِ بِالرَّأْيِ فَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ ادَّعَى خُصُوصَهُمْ أَيْ تَفَرُّدَهُمْ بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلِاعْتِبَارِ يَعُمُّ الْجَمِيعَ وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّحَابَةُ خَاصَّةً
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.