وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجَسَ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجَسِ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ فَإِذَا عَدَّيْنَا حُكْمَهُ إلَى سَائِرِ مَا يَصْلُحُ آلَةً بَقِيَ حُكْمُ النَّصِّ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فِي الْمُزِيلِ وَالطَّهَارَةِ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ فَعَدَّيْنَاهُ إلَى نَظِيرِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَامَ مَقَامَهَا فِي الْجَوَازِ، وَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْفَاتِحَةُ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ أَيْضًا حَيْثُ لَا يَتَأَدَّى بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَا بِثَنَاءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَيْسَ عَمَلَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَخْفَاهُ لَمْ يَجُزْ، وَالثَّنَاءُ حَاصِلٌ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ إعْلَامُ النَّاسِ بِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَالْإِعْلَامُ إنَّمَا يَقَعُ بِصَوْتِ مُقَدَّرٍ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ فَمَتَى تَغَيَّرَتْ الْحُرُوفُ تَغَيَّرَ الصَّوْتُ فَلَا يَبْقَى إعْلَامًا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالثَّنَاءُ آلَةُ فِعْلِهَا أَيْ فِعْلِ اللِّسَانِ، وَاللِّسَانُ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ يُؤَنَّثُ، وَبِمَعْنَى الْعُضْوِ لَا يُؤَنَّثُ، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ أَنَّثَ الضَّمِيرَ عَلَى تَأْوِيلِ اللِّسَانِ بِالْجَارِحَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ: آلَةُ فِعْلِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ثَنَاءً مُطْلَقًا أَيْ ثَنَاءً خَالِصًا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْحَاقُ مَا لَيْسَ بِثَنَاءٍ مَحْضٍ بِالتَّكْبِيرِ مِثْلَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي حَتَّى لَا يَصِيرَ شَارِعًا بِهِ
وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا هَذَا أَيْ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالنَّصِّ هُوَ التَّعْظِيمُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّكْبِيرُ آلَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجَسَ أَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالْمِقْرَاضِ أَوْ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ سَقَطَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ وَاجِبًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْقُطْ بِدُونِ الْعُذْرِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ لِئَلَّا يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهَا عِنْدَ لُبْسِهِ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ أَيْ آلَةُ الْإِزَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْأَبْعَادُ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّحْرِيرُ عَنْ النَّجَاسَةِ حَالَةَ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ التَّحْرِيرَ عَنْهَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِإِزَالَتِهَا فَكَانَ الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْإِزَالَةَ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ فَإِذَا عَدَّيْنَا حُكْمَهُ أَيْ حُكْمَ النَّصِّ أَوْ حُكْمَ الْمَاءِ إلَى سَائِرِ مَا يَصْلُحُ آلَةً كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَكُلِّ مَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ فَقَدْ بَقِيَ حُكْمُ النَّصِّ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَيْ كَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثُمَّ فَسَّرَ صَلَاحَهُ لِلتَّطْهِيرِ، فَقَالَ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ يَعْنِي إنَّمَا أَرَدْت بِكَوْنِهِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ لَا أَنَّهُ مُطَهَّرٌ بِالْقُوَّةِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ أَوْ طَبْعِيٌّ لَا يَصْلُحُ تَعْلِيلُهُ وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِي الْمُزِيلِ وَهُوَ عَدَمُ تَنَجُّسِهِ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ ثُبُوتُ الطَّهَارَةِ فِيهِ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَيْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ عَدَمُ ثُبُوتِ صِفَةِ النَّجَاسَةِ فِي الْمُزِيلِ وَهُوَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ إلَى أَنْ يُزَالَ الثَّوْبُ، وَثُبُوتُ صِفَةِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَحَلِّ بِوَاسِطَةِ الْإِزَالَةِ فَعَدَّيْنَا هَذَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إلَى نَظِيرِهِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالرُّكُوبِ، وَالْمَحْلُوبُ اسْمٌ لِمَا يُرْكَبُ وَيُحْلَبُ وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنَّجَاسَةِ عَنْ الْمَحَلِّ لَا أَنَّهُ تَبَدُّلُ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إلَى طَهَارَةٍ شَرْعًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ تَزُلْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ.
وَإِذَا كَانَ التَّطْهِيرُ بِحُكْمِ الْإِزَالَةِ، وَغَيْرُ الْمَاءِ يُشَارِكُ الْمَاءَ فِي الْإِزَالَةِ فَيُشَارِكُ فِي حُكْمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا مِثْلَهُ، وَإِذَا صَارَ طَهُورًا سَقَطَ تَنَجُّسُهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ، وَثَبَتَ الطَّهَارَةُ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِزَالَةِ كَمَا فِي الْمَاءِ وَلَا يُقَالُ: الْمَاءُ مَعَ كَوْنِهِ طَهُورًا تَنَجَّسَ بِالْغُسْلِ بِهِ قِيَاسًا وَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.