وَلِلْمَأْمُورِ عِنْدَنَا ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ؛ وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا فَنَقَلَ حُكْمَ الْوُجُودِ إلَى الْوُجُوبِ حَقًّا لَازِمًا بِالْأَمْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ تَوَقُّفَ الْوُجُودِ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَأْمُورِ صِيَانَةً وَاحْتِرَازًا عَنْ الْجَبْرِ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي النَّهْيِ فَيَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ كُلَّهَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مُكَلَّفًا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ إلَى حِينِ إيجَادِهِ فَاعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ وَأَثْبَتْنَا بِالْأَمْرِ آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ خَلَفًا عَنْ الْوُجُودِ وَقُلْنَا بِتَرَاخِي حَقِيقَةِ الْوُجُودِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: الِائْتِمَارُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مِنْ حُكْمِ الْكَسْرِ إلَّا أَنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلٍ مُخْتَارٍ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِعْلِ حَتَّى يَحْصُلَ الِائْتِمَارُ فَإِنَّ الِائْتِمَارَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا اخْتِيَارٍ فِي الِائْتِمَارِ يَحْصُلُ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالِانْكِسَارِ عَقِيبَ الْكَسْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمِ مُوسَى {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: ٦٥] وَقَدْ حَصَلَ الِائْتِمَارُ عَقِيبَ الْأَمْرِ وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ الِائْتِمَارِ عَقِيبَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: ١١٧] وَجَعَلَ الْقِيَامَ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: ٢٥] فَعَرَفْنَا أَنَّ الِائْتِمَارَ مُوجِبُ الْأَمْرِ كَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ مُوجِبُ الْكَسْرِ قَوْلُهُ (وَلِلْمَأْمُورِ ضَرْبٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ الْمُطْلَقَ الْكَامِلَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ تَابِعٌ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: ٢٩] وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي بَيَانِ الِاعْتِقَادِ بِالْفَارِسِيَّةِ آن مُخْتَارِي كه جُمْلَة مُخْتَارَانِ بِاخْتِيَارِ خَوْد جزان نكند كه أَوْ خواهد وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا يَعْنِي لَمَّا لَمْ يَسَعْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ كَانَ مُضْطَرًّا فِي ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْمَقْتَلِ فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِي رَفْعِ الْأَقْدَامِ حَقِيقَةً، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَفْيُ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى نَفَتْ اخْتِيَارَ الْعَبْدِ أَصْلًا وَالْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ أَثْبَتُوهُ مُطْلَقًا حَتَّى كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عِنْدَهُمْ فَأَثْبَتَ الشَّيْخُ أَمْرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ كَمَا هُوَ دَأْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَرْكِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ مُضْطَرٌّ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ كَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ فِي كَوْنِهِ عَاقِلًا وَجَاهِلًا وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا نَفْيُهَا كَمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَلَا نَفْيُهَا، وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ وَإِلَى الْفَرَاغِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَةِ الْوَاقِفِيَّةِ، فَقَالَ وَلَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي حُكْمِ الْأَمْرِ لَوَجَبَ فِي حُكْمِ النَّهْيِ لِوُجُودِ الدَّاعِي إلَيْهِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِثْلَ التَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: ١٣٠] وَالْكَرَاهَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَعَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَالتَّنْزِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: ٦]
وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [طه: ١٣١] وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَعْتَذِرُوا} [التوبة: ٦٦] وَالْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: ١٠١] وَالشَّفَقَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالضِّدَّيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا
قَوْلُهُ (يَبْطُلُ الْحَقَائِقُ كُلُّهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ كَلَامٍ إلَّا وَفِيهِ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ فَلَوْ أَوْجَبَ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفَ لَتَعَطَّلَتْ النُّصُوصُ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّا لَمْ نَدَّعِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.