وَأَصْحَابُنَا هُمْ السَّابِقُونَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا وَالدَّرَجَةُ الْقُصْوَى فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُلَازَمَةِ الْقُدْوَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى الْمَدِينَةِ لِلتَّفَقُّهِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: ٤١] لِأَنَّا نَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْآيَاتِ الَّتِي تُوجِبُ نَفَرَ الْكُلِّ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَوْ هِيَ نَازِلَةٌ حَالَ كَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَتِلْكَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ أَوْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ هُجُومِ الْعَدُوِّ وَتِلْكَ عَلَى حَالَةِ الْهُجُومِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ وَالْإِنْذَارُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا يُنْذَرُ بِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا كَمَنْ أَشَارَ إلَى طَعَامٍ لَذِيذٍ وَقَالَ لَا تَأْكُلُوهُ، فَإِنَّهُ مَسْمُومٌ ثُمَّ أَخَذَ فِي أَكْلِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ أَصْلًا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْإِنْذَارِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْفُقَهَاءَ بِالْإِنْذَارِ بِقَوْلِهِ {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} [التوبة: ١٢٢] فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أُنْذِرُوا بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ وَالْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ أَقْوَامًا عَلَى الْإِنْذَارِ بِدُونِ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ٤٤] وَبِقَوْلِهِ {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: ٣] وَقَدْ حَرَّضَهُمْ هَهُنَا عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الدَّعْوَةُ إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ قَالَ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ أَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إذَا فَقِهُوا» فَقِهَ الرَّجُلُ بِالْكَسْرِ فِقْهًا فَهِمَ وَفَقِهَ فَقَاهَةً إذَا صَارَ فَقِيهًا
قَوْلُهُ (وَأَصْحَابُنَا) أَيْ أَصْحَابُ مَذْهَبِنَا وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْحَابُهُ، هُمْ السَّابِقُونَ أَيْ الْمُتَقَدِّمُونَ، فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ الْفِقْهِ ذَكَرَ ضَمِيرَ الْفَصْلِ لِيَدُلَّ عَلَى نَوْعِ تَخْصِيصٍ وَحَصْرٍ أَيْ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالسَّبْقِ فِيهِ لَا غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُمْ أَحَدٌ فِي تَخْرِيجِ الْمَسَائِلِ وَتَصْحِيحِ الْأَجْوِبَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ غَايَتَهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي تِلْكَ، وَلَهُمْ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا أَيْ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي لَا مَنْزِلَةَ فَوْقَهَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْوَى تَأْنِيثُ الْأَعْلَى وَالْأَقْصَى، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُقْلَبَ وَاوُ الْقُصْوَى يَاءً كَوَاوِ الْعُلْيَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ وَوَاوُ فُعْلَى تُقْلَبُ يَاءً فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْوَاوِ أَيْضًا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ عَلَى سَبِيلِ الشُّذُوذِ كَمَا جَاءَتْ بِالْيَاءِ قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ، وَإِذَا كَانَتْ اللَّامُ وَاوًا فِي فُعْلَى، فَإِنَّهَا تُقْلَبُ فِي الصِّفَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ إلَى الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مِثْلُ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْيَا وَقَدْ قَالُوا الْقُصْوَى فَجَاءَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا جَاءَ قَوِدَ وَاسْتَحْوَذَ وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ الْقُصْوَى كَالْقَوْدَى فِي مَجِيئِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ جَاءَ الْقُصْيَا إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُصْوَى أَكْثَرُ كَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ اسْتَصْوَبَ مَعَ مَجِيءِ اسْتَصَابَ وَأَغْلَيْت مَعَ غَالَتْ، الرَّبَّانِيُّ فِي الْمُتَأَلِّهِ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْكَشَّافِ الرَّبَّانِيُّ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ بِعَمَلِهِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ كَاللِّحْيَانِيِّ وَالنُّورَانِيِّ وَقَدْ جَاءَ رَبَّى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَالْقِيَاسُ هُوَ الْفَتْحُ وَالْبَاقِي مِنْ تَغَيُّرَاتِ النَّسَبِ، وَالْقُدْوَةُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.