بِعَامَّةِ الْعُمُومَاتِ لِمَا دَخَلَهَا مِنْ الْخُصُوصِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّ مَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ خُصَّ مِنْ آيَةِ السَّرِقَةِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَخُصَّ الرِّبَا مِنْ قَوْلِهِ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَكَذَلِكَ نُصُوصُ الْحُدُودِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الشُّبْهَةِ مِنْهَا مَخْصُوصَةٌ وَفِيهَا ضَرْبُ جَهَالَةٍ وَاخْتِلَافُ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْعَامَّ يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ الْخُصُوصِ مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ مَجْهُولًا إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَرْبَ شُبْهَةٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعُمُومِ قَبْلَ الْخُصُوصِ، وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْعُمُومِ وَدَلَالَةُ أَنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَةَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ وَالْآحَادِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْكُلِّ كَمَا كَانَ قَبْلَ لُحُوقِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ بِهِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي طَرِيقَتِهِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ صَفَحْنَا عَنْ ذِكْرِهَا كَمَا أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا قَوْلُهُ (بِعَامَّةِ الْعُمُومَاتِ) أَيْ بِأَكْثَرِهَا (مَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ خُصَّ مِنْ الْآيَةِ) وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِهَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فَقِيلَ رُبْعُ دِينَارٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَقِيلَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَخَصَّ الرَّبَّا وَهُوَ مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَبَعْدَمَا الْتَحَقَ خَبَرُ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بَيَانًا بِهِ لَمْ تَزُلْ الْجَهَالَةُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُقْتَصِرٌ عَلَيْهَا وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خَرَجَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَبْوَابَ الرِّبَا وَإِذَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَآيَةِ السَّرِقَةِ وَالْبَيْعِ نُصُوصُ الْحُدُودِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: ٢] {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: ٣٨] {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: ٤] الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا (لِأَنَّ مَوَاضِعَ الشُّبْهَةِ مِنْهَا مَخْصُوصَةٌ) بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَقَدْ تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ.
(وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا خُصَّ وَهُوَ مَوَاضِعُ الشُّبْهَةِ (ضَرْبُ جَهَالَةٍ) أَيْ لَا يُعْرَفُ أَيَّةُ شُبْهَةٍ تُعْتَبَرُ وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا ظَاهِرًا لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِكُلِّ عَامٍّ سَوَاءٌ خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخُصَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ (وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا إلَى آخِرِهِ) وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ «بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَهَذَا عَامٌّ دَخَلَهُ خُصُوصٌ فَإِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ قَدْ خُصَّ مِنْهُ وَاحْتَجَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِالْجَوَارِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» وَهَذَا عَامٌّ قَدْ دَخَلَهُ خُصُوصٌ فَإِنَّ الْجَارَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرِيكِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِصَقَبِهِ وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ «بِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ بَيْعُ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيْعُ الْمِيرَاثِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيْعُ بَدَلِ الصُّلْحِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّ هَذَا الْعَامَّ بِالْقِيَاسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا قَطْعًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا قَطْعًا فَكَيْفَ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِمَا يَكُونُ مُوجِبًا قَطْعًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَا ذَكَرَ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ لَا فِي الْمَجْهُولِ، إذْ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مَخْصُوصٌ مَجْهُولٌ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا وَلَكِنْ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ قَطْعًا فَرُوِيَ الْمَذْهَبُ فِي الْفَصْلَيْنِ فَيَثْبُتُ الْمَذْهَبُ بِهِ.
قَوْلُهُ (إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْعُمُومِ) أَيْ بِالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ فَإِنَّ فَاطِمَةَ احْتَجَّتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي مِيرَاثِهَا مِنْ أَبِيهَا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: ١١] الْآيَةَ مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمَا خُصُّوا مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ احْتِجَاجَهَا بِهِ مَعَ ظُهُورِهِ وَشُهْرَتِهِ بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حِرْمَانِهَا إلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: ٦] فَقَالَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ مَعَ كَوْنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.