وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِالنُّصُوصِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ هِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ النَّصَّ عَلَى الشَّيْءِ بِاسْمِهِ الْعَلَمَ يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ قَالُوا: وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَهِمَ الْأَنْصَارُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِالْإِكْسَالِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَقُلْنَا نَحْنُ: هَذَا بَاطِلٌ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: ٣٦] وَالظُّلْمُ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ
ــ
[كشف الأسرار]
مَعْنَى الْعُمُومِ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلتَّخْصِيصِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: الْإِشَارَةُ زِيَادَةُ مَعْنًى عَلَى مَعْنَى النَّصِّ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِيجَابِ النَّصِّ إيَّاهُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ كَالثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ثَابِتٌ بِصِيغَةِ الْكَلَامِ فَكَمَا أَنَّ الثَّابِتَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَكَذَا الثَّابِتُ بِإِشَارَتِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ صُورَتَهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ لِأَنَّهُ حَيٌّ حُكْمًا ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ قَوْله تَعَالَى {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: ١٦٩] وَالْآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ عُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً» .
فَأَجَابَ بِأَنَّ تِلْكَ الْإِشَارَةَ خُصَّتْ فِي حَقِّهِ أَوْ هُوَ خُصَّ مِنْ عُمُومِ تِلْكَ الْإِشَارَةِ فَبَقِيَتْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْعُمُومِ وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ فِي النُّصُوصِ) أَيْ اسْتَدَلَّ بِهَا بِوُجُوهٍ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا وَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَنَا وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَسَّمُوا دَلَالَةَ اللَّفْظِ إلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ وَقَالُوا: دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَجَعَلُوا مَا سَمَّيْنَاهُ عِبَارَةً وَإِشَارَةً وَاقْتِضَاءً مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَقَالُوا: دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ ثُمَّ قَسَّمُوا الْمَفْهُومَ إلَى مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ لِلْمَنْطُوقِ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَ الْخِطَابِ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ دَلَالَةَ النَّصِّ وَإِلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ وَيُسَمُّونَهُ دَلِيلَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عِنْدَنَا بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ ثُمَّ قَسَّمُوا هَذَا الْقِسْمَ مِنْ الْمَفْهُومِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ فَمِنْهَا مَا بَدَأَ الشَّيْخُ بِذِكْرِهِ فِي التَّمَسُّكَاتِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ النَّصَّ عَلَى الشَّيْءِ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ أَيْ بِالِاسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِصِفَةٍ سَوَاءٌ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ كَالْمَاءِ فِي حَدِيثِ الْغُسْلِ وَالْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا أَوْ اسْمًا عَلَمًا كَقَوْلِك زَيْدٌ قَامَ أَوْ قَائِمٌ.
يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ أَيْ عَلَى تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَقَطْعِ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَيُسَمَّى هَذَا مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ وَنَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَوْ لَمْ يُوجِبْ التَّخْصِيصَ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ صَاحِبِ الشَّرْعِ غَيْرَ مُفِيدٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ وَلَا أُخْتِي زَنَتْ تَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ نِسْبَةُ الزِّنَا إلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَائِلِ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لَمَا تَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ ذَلِكَ إذْ لَا مُوجِبَ لِلتَّبَادُرِ إلَى الْفَهْمِ إلَّا الدَّلَالَةُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ الْأَنْصَارَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهِمُوا التَّخْصِيصَ مِنْهُ حَتَّى اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.