وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ فِي هَذَا الْأَصْلِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَطَّ مَنْزِلَةَ الْخَاصِّ مِنْ الْكِتَابِ عَنْ رُتْبَتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ رَفَعَ حُكْمَ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ شَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهَ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ذِرَاعَيْهِ» وَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، وَالتَّسْمِيَةُ.
وَهِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَمُخْتَارُ الْمَشَايِخِ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطَ التَّسْمِيَةَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ بِالْكِتَابِ وَلَا بِبَيَانٍ لَهُ بَلْ هُوَ نَسْخٌ لِمُوجِبِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ {فَإِنْ قِيلَ} فَهَلَّا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَأَخَوَاتِهَا كَمَا قُلْتُمْ بِوُجُوبِ التَّعْدِيلِ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ (قُلْنَا) لِلْمَانِعِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ لُزُومُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّبَعَيْنِ مَعَ ثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لِغَيْرِهِ إذْ هُوَ شَرْطٌ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ لِعَيْنِهِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ كَمَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي مُكَمِّلِ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ إذْ يَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا لِغَيْرِهِ فَقُلْنَا بِالسُّنَّةِ فِي مُكَمِّلِ الْوُضُوءِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا كَذَا قَالُوا وَشَبَّهُوا هَذَا بِأَنَّ غُلَامَ الْوَزِيرِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْوَنَ حَالًا مِنْ غُلَامِ الْأَمِيرِ لِكَوْنِ الْوَزِيرِ أَدْنَى رُتْبَةً مِنْ الْأَمِيرِ قُلْت وَالْأَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفَاوُتَ دَرَجَاتُ الدَّلَائِلِ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ: قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ، وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا قَطْعِيٌّ وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ فَبِالْأَوَّلِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَبِالثَّانِي وَالثَّالِثِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَبِالرَّابِعِ يَثْبُتُ السُّنَّةُ وَالِاسْتِحْبَابُ لِيَكُونَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ.
فَخَبَرُ التَّعْدِيلِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِالْإِعَادَةِ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ كُلَّ مَرَّةٍ ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ عَلَّمَهُ» وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضُ لِانْقِطَاعِ الِاحْتِمَالِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ أَخْشَى أَنْ لَا تَجُوزَ صَلَاتُهُ يَعْنِي إذَا تَرَكَهُ، وَكَذَا خَبَرُ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَطُوفَنَّ بِهَذَا الْبَيْتِ مُحْدِثٌ» لِتَأَكُّدِهِ بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَةِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَمِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إمَّا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ أَوْ اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ فَيَكُونُ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ، وَكَذَا خَبَرُ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمِّ كَانَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَهُ الْمَاءُ» فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ كَيْفَ وَاسْتِعْمَالُ مِثْلِهِ فِي نَفْيِ الْفَضِيلَةِ شَائِعٌ، وَكَذَا دَلِيلُ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ «فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَمَا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ» ، وَخَبَرُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي وُضُوئِهِ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلٍ فِي كَفِّهِ» فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الدَّلَائِلُ ظَنِّيَّةَ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةُ يَثْبُتُ بِهَا السُّنَّةُ لَا الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ (وَصَارَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ غَلَطًا مِنْ وَجْهَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الرُّتْبَةِ حَيْثُ أَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَا أَثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَزِمَ حَطُّ دَرَجَةِ الْكِتَابِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْخَبَرِ أَوْ رَفْعُ دَرَجَةِ الْخَبَرِ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَةِ الْكِتَابِ كَمَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.