وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَصَحِيحَانِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّ النَّصَّ لِحُكْمِهِ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ وَالْحُكْمُ بِالنَّصِّ ثَبَتَ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِيذَاءَ بِاللِّسَانِ وَإِمْسَاكَ الزَّوَانِي فِي الْبُيُوتِ
ــ
[كشف الأسرار]
يَقْرَأُ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ وَأَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ قَرَأْنَا فِي الْقُرْآنِ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَأْنَا آيَةَ الرَّجْمِ وَعَيَّنَّاهَا وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِمَّا يُتْلَى بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْحِفْظَ لَدَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَعَالَى مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِالنِّسْيَانِ وَالْغَفْلَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْحِفْظُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الضَّيَاعَ مُحْتَمَلٌ مِنَّا قَصْدًا كَمَا فَعَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْغَفْلَةَ وَالنِّسْيَانَ مُتَوَهَّمٌ مِنَّا وَبِهِ يَنْعَدِمُ الْحِفْظُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْ يَحْفَظُهُ مُنَزَّلًا لَا يَلْحَقُهُ تَبْدِيلٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ أَوْقَاتِ بَقَاءِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا هُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ فِيمَا اُبْتُلُوا بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا إذْ الْعَقْلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ كِفَايَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَاسِخَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِوَحْيٍ يَنْزِلُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ جَوَّزْنَا هَذَا فِي بَعْضِ مَا أُوحِيَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِ فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ بَيْنَ النَّاسِ فِي حَالِ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا قَبِيحٌ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لِصِيَانَةِ الدِّينِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ أَخْبَرَ جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّهُ هُوَ الْحَافِظُ لِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ عَنْ التَّغْيِيرِ وَالْمَحْوِ عَنْ الْقُلُوبِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِطَرِيقِ الِانْدِرَاسِ وَذَهَابِ حِفْظِهِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ وَمَا نَقَلُوا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَبَعْضُهَا شَاذٌّ لَا يَكَادُ يَصِحُّ وَمَا ثَبَتَ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْوَ عَنْ قُلُوبِ الصَّحَابَةِ سِوَى قَلْبِ الرَّاوِي كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ لَا بَعْدَهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَكَانَتْ الصَّحِيفَةُ تَحْتَ السَّرِيرِ فَاشْتَغَلْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَدَخَلَ دَاجِنُ الْبَيْتِ فَأَكَلَهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِهَذَا لَا يَنْعَدِمُ حِفْظُهُ عَنْ الْقُلُوبِ وَلَا يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُهُ فِي صَحِيفَةٍ أُخْرَى فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ صَحِيحَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَمِنْ النَّاسِ وَهُمْ فِرْقَةٌ شَاذَّةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْ أَنْكَرَ الْجَوَازَ فِي الْقِسْمَيْنِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّصِّ حُكْمُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَعْنَاهُ إذْ الِابْتِلَاءُ يَحْصُلُ بِهِ وَالنَّصُّ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْمَقْصُودِ فَلَا يَبْقَى النَّصُّ بِدُونِ حُكْمِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْوَسِيلَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ لَا يَبْقَى بَعْدَ سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالْحَيْضِ، وَالْحُكْمُ بِالنَّصِّ يَثْبُتُ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يَبْقَى بِدُونِهِ كَالْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ لَا يَبْقَى بِدُونِ الْبَيْعِ بِأَنْ انْفَسَخَ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ أَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ مَعَ الْمَنْطُوقِ وَكَمَا لَا يَنْفَكُّ الْعِلْمُ مِنْ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْطُوقِ فَكَذَلِكَ التِّلَاوَةُ وَالْحُكْمُ لَا يَنْفَكَّانِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ نَسْخَ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ دُونَ عَكْسِهِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ وَاجِبٌ فِي الْمَتْلُوِّ أَنَّهُ قُرْآنٌ وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ خِلَافُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ يُؤَدِّي إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ وَتَمَسَّكَتْ الْعَامَّةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا بَيَانُ الْمَنْقُولِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ نَسْخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ فَهُوَ أَنَّ الْإِيذَاءَ بِاللِّسَانِ لِلزَّانِيَيْنِ الثَّابِتَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.