وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - فَهُمْ الْمَخْصُوصُونَ بِالْعِرْقِ الطَّيِّبِ الْمَجْبُولُونَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شَيْءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ تَكُونُ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ بِإِجْمَاعِهِمْ فَلَوْ اُعْتُبِرَ إجْمَاعُ غَيْرِهِمْ لَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَنَاقُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) وَهُمْ الزَّيْدِيَّةُ وَالْإِمَامِيَّةُ مِنْ الرَّوَافِضِ: لَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ إلَّا مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْ قَرَابَتِهِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: ٣٣] أَخْبَرَ بِنَفْيِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ بِكَلِمَةِ إنَّمَا الْحَاصِرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْهُمْ فَقَطْ، وَالْخَطَأُ مِنْ الرِّجْسِ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُمْ فَقَطْ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ فَإِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» حَصَرَ التَّمَسُّكَ بِهِمَا فَلَا يَقِفُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى غَيْرِهِمَا وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّهُمْ اخْتَصُّوا بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ الرِّسَالَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ وَوَقَفُوا عَلَى أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ وَأَقْوَالِهِ بِكَثْرَةِ الْمُخَالَطَةِ فَكَانُوا أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ لَا إجْمَاعَ إلَّا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»
وَالْخَطَأُ مِنْ الْخَبَثِ فَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِذَا انْتَفَى عَنْهُمْ وَجَبَ مُتَابَعَتُهُمْ ضَرُورَةً، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ يَنْضَمُّ إلَيْهَا وَيَجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِيهَا، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَكِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَّا امَّاعَ كَمَا يَمَّاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ خَطَرِهَا وَكَثْرَةِ شَرَفِهَا وَبِأَنَّ الْمَدِينَةَ دَارُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَمَجْمَعُ الصَّحَابَةِ وَمُسْتَقَرُّ الْإِسْلَامِ وَمُتَبَوَّأُ الْإِيمَانِ، وَفِيهَا ظَهَرَ الْعِلْمُ، وَمِنْهَا صَدَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ الْحَقُّ عَنْ قَوْلِ أَهْلِهَا، وَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَسَمِعُوا التَّأْوِيلَ، وَكَانُوا أَعْرَفَ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ غَيْرِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمْ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ هَذِهِ) جَوَابٌ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَيْ لَكِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهِيَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ عِتْرَةِ الرَّسُولِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أُمُورٌ زَائِدَةٌ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِصِفَةِ الْوَسَاطَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانٍ وَلَا بِقَوْمٍ وَمَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ١١٠] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣] {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: ١١٥] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» وَغَيْرُهَا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا أَيْ مِمَّا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَعِتْرَةَ الرَّسُولِ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ كَمَا كَانُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ عِتْرَتُهُمْ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ كَذَلِكَ
أَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوا فَنَقُولُ: مَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ وُرُودِ تِلْكَ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ وَقْتَ وُرُودِهَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.