ولمَّا ثبت أنَّ الحكم لم يتعلَّق بعين المرض والسفر بل بمعنًى فيهما، وهو العجز عن استعمال الماء، وإنما علِّق بهما ظاهرًا لأن العجز عنه يقعُ فيهما غالبًا، ثبت أن الحكم كذلك في كلِّ موضع تحقَّق العجزُ، وظهر به صحةُ قول أبي حنيفة في إجازة التيمُّم للجنابة في المِصر إذا عَدِمَ الماءَ الحارَّ، وخاف أن يضرَّه الاغتسالُ بالماء البارد.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئنُّ من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذ الكنيف في البيوت، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحَدَث، ولمَّا كان الاجتماعُ في السفر مندوبًا - بخلافِ التغيُّطِ فإن المندوب فيه الانفرادُ - غيَّر الأسلوب، ولم يقل: أو جئتم من الغائط.
وأمَّا قولُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فعلى طريقةِ مقابَلة الجمع بالجمع، ففيه أيضًا رُوعي (١) ما هو المندوب.
وقرئ: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ (٢)؛ أي: جامعْتُم فاجتَنبتُم، قال ابن عباس ﵄: الملامسةُ واللمس والمباشرة والإفضاء كناياتٌ عن الجماع (٣).
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ حقيقةً أو حكمًا؛ كما إذا يكن مقدورَ الاستعمال لمانعٍ، أو يكون في استعماله نوعُ حرجٍ لضررِ بدنٍ (٤) أو مالٍ.
بقي هاهنا إشكال، وهو أن الجمع بين الأمور المذكورة في الشرط المرتَّب عليه جزاءٌ واحدٌ وهو الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، مع أن سببية الأوَّلَينِ إنما هي
(١) في (ف): "رعي". (٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة: ﴿لَامَسْتُمُ﴾. انظر: "التيسير" (ص: ٩٦). (٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٤ - ٦٧)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ١١٦). (٤) في (ح) و (ك): "لضرورة بدن"، وفي (ف): "لضرورة بدون.