﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله:
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي:[إنكم](١) قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر (٢) الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:
(١) ما بين معكوفتين من "الكشاف" (١/ ١٦٠). (٢) في "ك" و"م": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.