للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو حسبي ونعم الوكيل. فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن قد قيل: إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول. به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار. وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقة: [البسيط]

السّجن أصبح مثل النار مضرمه … والحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب

يصلى بنار هموم في جوانحه … تنفي المآثم من حسد ومن لغب (١)

وبشعره أبيات ابن الجهم (٢) بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [الكامل]

قالوا حبست فقلت ليس بضائري … حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد

ولمعلقه: [البسيط]

لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا … لغير جرم ولكن سجنهم شرف

فإنّ آل رسول الله كان لهم … منه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا

كالسيف والدرّة الزهراء سجنهما … خوفا وضنّا بها الأغماد والصدف

قال: وكتب: بعض الأوقات منضجعا في علوّ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء.

فقلت: لله درّ غيلان (٣) كأنه أوحى إليه قوله: [الطويل]

فإنّ انحدار الدمع يعقب راحة … من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل (٤)

فعملت أبياتا، وهي: [الكامل]

وحمائم غنيّن في رأد الضحى … طربا فقلت مقالة المحزون


(١) لغب: اللغب: الشيء الفاسد، والإعياء، والضعف والحمق. اللسان (لغب) ١٢/ ٢٩٤.
(٢) أبو الحسن علي بن الجهم بن بدر بن الجهم، أحد الشعراء المجيدين، له ديوان شعر مشهور، وله اختصاص بجعفر المتوكل، توفي سنة ٢٤٩ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ٣٥٥، والبيت مطلع قصيدته في ديوانه، ص ٤١.
(٣) يعني الشاعر (ذو الرمة).
(٤) البلابل: وسواس الصدر. اللسان (بلل) ١/ ٤٩٣، وينظر: ديوان ذي الرمّة، ٥٧٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>