الْحَيَوَانِ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ مَعْنَوِيٍّ كَالتَّقَرُّبِ بِهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (٦: ١٤٥) الْآيَةَ، وَكُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْحَيَوَانِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي حَصْرِ التَّحْرِيمِ فِيمَا ذُكِرَ ; فَتَحْرِيمُ مَا عَدَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ، وَقَدْ شَدَّدَ اللهُ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ ; مِنْ أَكَلِ الْمَيْتَةِ بِأَنْوَاعِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ وَالذَّبْحِ لِلْأَصْنَامِ ; لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ تَبَعًا لِلْعَادَةِ.
وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَبْعَدَ مِنْهُمْ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سِيَاسَةِ الدِّينِ التَّشْدِيدُ فِي مُعَامَلَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْجَزِيرَةِ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَخَفَّفَ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ; اسْتِمَالَةً لَهُمْ حَتَّى إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ رَوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُمَا سُئِلَا عَمَّا ذَبَحُوهُ لِلْكَنَائِسِ، فَأَفْتَيَا بِأَكْلِهِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَحَلَّ اللهُ طَعَامَهُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا. وَأَمَّا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَدْ سُئِلَ عَنْ كَبْشٍ ذُبِحَ لِكَنِيسَةٍ يُقَالُ لَهَا " جِرْجِسَ " أَهْدَوْهُ لَهَا: أَنَأْكُلُ مِنْهُ؟ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِلسَّائِلِ: اللهُمَّ عَفْوًا، إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ طَعَامُهُمْ حِلٌّ لَنَا، وَطَعَامُنَا حِلٌّ لَهُمْ، وَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّحَّاسُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (٥: ٥) قَالَ: ذَبَائِحُهُمْ. وَرَوَى مِثْلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى هَذَا، وَأَكَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الشَّاةِ الَّتِي أَهْدَتْهَا إِلَيْهِ الْيَهُودِيَّةُ، وَوَضَعَتْ لَهُ
السُّمَّ فِي ذِرَاعِهَا، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِ النَّصَارَى فِي الشَّامِ بِغَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ، إِلَّا فِي بَنِي تَغْلِبَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ انْتَسَبُوا إِلَى النَّصَارَى، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْ دِينِهِمْ شَيْئًا، فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا نِكَاحَ نِسَائِهِمْ ; مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنَ النَّصَارَى إِلَّا شُرْبَ الْخَمْرِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَاكْتَفَى جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ بِانْتِمَائِهِمْ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (٥: ٥١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُلُوا مِنْ ذَبَائِحِ بَنِي تَغْلِبَ، وَتَزَوَّجُوا مِنْ نِسَائِهِمْ فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَالَ. . . وَقَرَأَ الْآيَةَ. فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إِلَّا بِالْوَلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ ; أَيْ يَكْفِي فِي كَوْنِهِمْ مِنْهُمْ نَصْرُهُمْ لَهُمْ، وَتَوَلِّيهِمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرْبِ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ التَّعَمُّقُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَحُبُّ التَّشْدِيدِ مَعَ الْمُخَالِفِينَ، اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَسْأَلَةً جَعَلُوهَا مَحَلَّ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهِيَ: هَلِ الْعِبْرَةُ فِي حِلِّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّزَوُّجِ مِنْهُمْ بِمَنْ كَانُوا يَدِينُونَ بِالْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَيْفَمَا كَانَ كِتَابُهُمْ وَكَانَتْ أَحْوَالُهُمْ وَأَنْسَابُهُمْ، أَمِ الْعِبْرَةُ بِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، وَبِأَهْلِهِ الْأَصْلِيِّينَ ; كَالْإِسْرَائِيلِيِّينَ مِنَ الْيَهُودِ؟ الْمُتَبَادِرُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ وَمِنَ السُّنَّةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.