الْآخِرَةِ قِيلَ: وَفِي الدُّنْيَا بِالتَّعْزِيرِ وَالضَّرْبِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِاخْتِبَارِ اللهِ لَهُ، بَلْ سَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَخَافُ اللهَ تَعَالَى بِالْغَيْبِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَخَافُ لَوْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْزِيرَهمْ إِذْ هُوَ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ بِمَرْأَى مِنْهُمْ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، لَا شَأْنُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الْأَبْرَارَ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) هَذَا النِّدَاءُ تَوْطِئَةٌ لِبَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُعْتَدِي فِي الصَّيْدِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا، سَبَقَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمَرَةٍ وَمَنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَقَدْ أَعَادَهُ هُنَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْحُرُمَ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حَرَامٍ وَهُوَ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْحِلِّ.
(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) أَيْ وَمَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَاصِدٌ لِقَتْلِهِ فَجَزَاؤُهُ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِنَ الْأَنْعَامِ مُمَاثِلٌ لِمَا قَتَلَهُ فِي هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ إِنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَفِي قِيمَتِهِ، وَقِيلَ: فِي قِيمَتِهِ مُطْلَقًا وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " فَجَزَاءٌ " بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ وَ " مِثْلُ " الرَّفْعِ وَالْإِضَافَةِ لِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِإِضَافَةِ جَزَاءٍ إِلَى مِثْلِ وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ عَيْنُهُ، عَلَى حَدِّ " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ خَاتَمِ فِضَّةٍ أَيْ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فَعَلَيْهِ جَزَاءُ الَّذِي قَتَلَهُ، أَيْ جَزَاءٌ عَنْهُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَصْلُهُ " فَجَزَاءٌ مِثْلَ مَا قَتَلَ " بِنَصْبِ مِثْلٍ بِمَعْنَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْزِيَ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النِّعَمِ ثُمَّ أُضِيفَ كَمَا نَقُولُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبِ زَيْدًا، ثُمَّ مِنْ ضَرْبِ زَيْدٍ اه.
قَتْلُ الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ الصَّيْدَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ لِنَصِّ الْآيَةِ، وَلَكِنَّ أَكْلَ الْمُحْرِمِ مَا صَادَهُ مَنْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقِيلَ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ الْآتِيَةِ، وَحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ عَنْ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةَ أَكَلُوا مِمَّا أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ مِنْ لَحْمِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَهُوَ التَّحْقِيقُ الَّذِي يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ الَّذِي صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الصَّيْدِ الَّذِي نَهَتِ الْآيَةُ عَنْ قَتْلِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ كُلُّ حَيَوَانٍ وَحْشِيٍّ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَلَا جَزَاءَ فِي قَتْلِ الْأَهْلِيِّ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالْحَشَرَاتِ وَهِيَ كَبِيرَةٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَمِنْهَا الْفَوَاسِقُ الْخَمْسُ الَّتِي وَرَدَ الْإِذْنُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِقَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَهِيَ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.