وَمِنْ عَدَلَ عَنْهَا إِلَى التَّوْحِيدِ يُعَدُّ مَارِقًا مِنْ دِينِهِمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِلَهَ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ يُسَمُّونَهَا " أَقَانِيمَ "، وَهِيَ: الْآبُ، وَالِابْنُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ. وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الِابْنُ، وَاللهَ هُوَ الْآبُ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ عَيْنُ الْآخَرِينَ، فَيُنْتِجُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللهُ بِزَعْمِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْـ ١٧ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (رَاجِعْ ص٢٥٤ وَمَا بَعْدَهَا ج ٧ ط الْهَيْئَةِ) .
(وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ ضِدَّ مَا يَقُولُونَ ; أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، أَنْ يَعْبُدُوا
اللهَ الَّذِي يَعْبُدُهُ هُوَ، وَلَا يَزَالُ أَمْرُهُ هَذَا مَحْفُوظًا عِنْدَهُمْ فِيمَا حَفِظُوا مِنْ إِنْجِيلِهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، الَّتِي كُتِبَتْ لِبَيَانِ بَعْضِ سِيرَتِهِ وَتَارِيخِهِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَنَاجِيلَ ; فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا مِنْهَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا نَصُّهُ: " ٧: ٣ وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ ; أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ "، فَدِينُ الْمَسِيحِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وَسَنَعُودُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ حِكَايَةً عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (٥: ١١٧) .
(إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَقَفَّى عَلَيْهِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ، بِبَيَانِ أَنَّ الْحَالَ وَالشَّأْنَ الثَّابِتَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا مَا مِنْ مَلَكٍ أَوْ بَشَرٍ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ نِدًّا لَهُ، أَوْ مُتَّحِدًا بِهِ، أَوْ يَدْعُوهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ أَوْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ زُلْفًى، فَيَتَّخِذُهُ شَفِيعًا، زَاعِمًا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى أَوْ عِلْمِهِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ، وَخَصَّصَتْهُ إِرَادَتُهُ فِي الْأَزَلِ، مَنْ يُشْرِكُ هَذَا الشِّرْكَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّ اللهَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، وَبِمُقْتَضَى دِينِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى جَمِيعِ رُسُلِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَأْوَى وَلَا مَلْجَأُ يَأْوِي إِلَيْهِ إِلَّا النَّارُ، دَارُ الْعَذَابِ وَالْهَوَانِ، وَمَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ مِنْ نَصِيرٍ يَنْصُرُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُنْقِذُهُمْ (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢: ٢٥٥) (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ٢١: ٢٨) فَالنَّافِعُ رِضَاهُ (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) (٣٩: ٧) وَشَرُّ أَنْوَاعِهِ الشِّرْكُ. وَنُكْتَةُ جَمْعِ الْأَنْصَارِ مَعَ كَوْنِ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ تُفِيدُ الْعُمُومَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ هِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى كَوْنِ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّكِلُونَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ وَالْقِدِّيسِينَ ; إِذْ كَانَتْ وَثَنِيَّةُ الشَّفَاعَةِ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ دِينِهِمْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.