فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ (٦: ١٤٥) أَيْ غَيْرَ طَالِبٍ لَهُ وَلَا مُتَعَدٍّ وَمُتَجَاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ فِيهِ ; فَعِبَارَةُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَوْجَزُ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ هَذَا لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لِلضَّرُورَةِ، فَيُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهَا أَوَّلًا وَكَوْنُهَا هِيَ الْحَامِلَ عَلَى الْأَكْلِ، وَأَنْ تُقَدَّرَ بِقَدْرِهَا، فَيَأْكُلُ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ لَا يَعْدُوهُ إِلَى الشِّبَعِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مَعْقُولٌ فِي حُكْمِ الضَّرُورَاتِ، فَهُوَ نَافِعٌ لِلْمُضْطَرِّ أَدَبًا وَطَبْعًا ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى تَعَوُّدِ مَا فِيهِ مَهَانَةٌ لَهُ وَضَرَرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضْطَرَّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَخْتَارُ أَقَلَّهَا ضَرَرًا، وَقَدْ يَكُونُ أَشْهَاهَا إِلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، فَأَكَلَ مِنْهُ فِي مَجَاعَةٍ لَا يَجِدُ فِيهَا غَيْرَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَائِلٍ إِلَيْهِ لِذَاتِهِ وَلَا جَائِرٌ فِيهِ مُتَجَاوِزٌ قَدْرَ الضَّرُورَةِ - فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ لِمِثْلِهِ لَا يُؤَاخِذُهُ عَلَى ذَلِكَ، رَحِيمٌ بِهِ يَرْحَمُهُ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ.
الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ ; إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِسُنَنِ الْفِطْرَةِ وَآيَاتِ الْكِتَابِ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا لِلنَّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيُظْهِرُونَ أَسْرَارَ خَلْقِ اللهِ وَحِكَمِهِ
فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ عَلَيْهِمْ هُوَ مَا يَضُرُّهُمْ. وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِ الْفِطْرَةِ وَاتِّقَاءِ الْمَضَرَّةِ وَجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، بَلْ دَأْبُهُمُ الْجِنَايَةُ عَلَى فِطْرَتِهِمْ، وَالتَّصَدِّي أَحْيَانًا لِفِعْلِ مَا يَضُرُّهُمْ وَتَرْكِ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَبَاحَتْ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ مِنَ الْخَبَائِثِ الضَّارَّةِ، وَحَرَّمَتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْأَنْعَامِ بِأَوْهَامٍ بَاطِلَةٍ ; كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَجْلِ هَذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ قَاضِيَةً بِبَيَانِ مَا يُحِلُّهُ اللهُ مِمَّا حَرَّمُوهُ، بَعْدَ بَيَانِ مَا حَرَّمَهُ مِمَّا أَحَلُّوهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ إِلَخْ ; أَيْ يَسْأَلُكَ الْمُؤْمِنُونَ أَيُّهَا الرَّسُولُ: مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ اللُّحُومِ خَاصَّةً؟ وَالسُّؤَالُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْقَوْلِ، فَهُوَ حِكَايَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَهُمْ لَا: " لَنَا " مُرَاعَاةً لِضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي يَسْأَلُونَكَ وَيَجُوزُ فِي مِثْلِهِ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ كَمَا هُنَا، وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى، يَقُولُونَ: أَقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، وَ: لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ فِي هَذَا السُّؤَالِ، مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَرَ أَبَا رَافِعٍ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فِي الْمَدِينَةِ جَاءَ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ، فَقَرَأَهَا، وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ صَيْدِ الْكِلَابِ، وَأَكْلِ مَا أَمْسَكْنَ مِنْهُ، كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَزَيْدَ بْنَ مُهَلْهَلٍ الطَّائِيَّيْنِ، سَأَلَا رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ حَرَّمَ اللهُ الْمَيْتَةَ فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا؟ فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.