عَنْ عَامِرٍ، أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ، أَتَى رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنْ صَيْدِ الْكِلَابِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْمَائِدَةِ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَإِذَا صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ بِلَفْظِهَا فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ لَمْ تَنْزِلْ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ رِوَايَاتٍ أُخْرَى، وَإِلَّا فَهِيَ مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا.
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ الطَّيِّبُ: ضِدُّ الْخَبِيثِ، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا يَسْتَوِي
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ (٥: ١٠٠) وَقَدِ اسْتُعْمِلَا فِي الْأَنَاسِيِّ وَالْأَشْيَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَمِنْهُ مَثَلُ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ (٣٤: ١٥) قَالَ الرَّاغِبُ: الْمُخْبَثُ وَالْخَبِيثُ مَا يُكْرَهُ رَدَاءَةً وَخَسَاسَةً مَحْسُوسًا كَانَ أَمْ مَعْقُولًا، وَأَصْلُهُ: الرَّدِيءُ الدَّخْلَةِ الْجَارِي مَجْرَى خُبْثِ الْحَدِيدِ. اهـ. وَقَالَ فِي الْحَرْفِ الْآخَرِ: وَأَصْلُ الطَّيِّبِ مَا تَسْتَلِذُّهُ الْحَوَاسُّ، وَمَا تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ. اهـ. فَجَعَلَ الطَّيِّبَ أَخَصَّ مِنْ مُقَابِلِهِ فِي بَابِهِ، وَالصَّوَابُ مَا قُلْنَاهُ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الطَّعَامِ هِيَ مَا تَسْتَطِيبُهُ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ الْفِطْرَةِ الْمُعْتَدِلَةُ الْمَعِيشَةِ، بِمُقْتَضَى طَبْعِهَا، فَتَأْكُلُهُ بِاشْتِهَاءٍ، وَمَا أَكَلَهُ الْإِنْسَانُ بِاشْتِهَاءٍ هُوَ الَّذِي يُسِيغُهُ وَيَهْضِمُهُ بِسُهُولَةٍ، فَيَتَغَذَّى بِهِ غِذَاءً صَالِحًا، وَمَا يَسْتَخْبِثُهُ وَيَعَافُهُ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ هَضْمُهُ، وَلَا يَنَالُ مِنْهُ غِذَاءً صَالِحًا، بَلْ يَضُرُّهُ غَالِبًا فَمَا حَرَّمَهُ اللهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ خَبِيثٌ بِشَهَادَةِ اللهِ الْمُوَافَقَةِ لِفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَمَا زَالَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَصْحَابِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطْرَةِ الْمُعْتَدِلَةِ يَعَافَوْنَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ حَتْفَ أَنْفِهَا، وَمَا مِثْلُهَا مِنْ فَرَائِسِ السِّبَاعِ وَالْمُتَرَدِّيَاتِ وَالنَّطَائِحِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّمَا يَعَافُهُ مَنْ يَعْرِفُ ضَرَرَهُ وَانْهِمَاكَهُ فِي أَكْلِ الْأَقْذَارِ. وَ " الْجَوَارِحُ ": جَمْعُ جَارِحَةٍ، وَهِيَ الصَّائِدَةُ مِنَ الْكِلَابِ وَالْفُهُودِ وَالطُّيُورِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: سُمِّيَتِ الصَّوَائِدُ جَوَارِحَ مِنَ الْجَرْحِ، بِمَعْنَى الْكَسْبِ ; فَهِيَ كَالْكَاسِبِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ (٦: ٦٠) أَيْ: كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ: مِنَ الْجَرْحِ: بِمَعْنَى الْخَدْشِ، أَيْ إِنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَجْرَحَ مَا تَصِيدُهُ. وَ " مُكَلِّبِينَ " اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّكْلِيبِ، وَهُوَ تَعْلِيمُ الْجَوَارِحِ وَتَأْدِيبُهَا وَإِضْرَاؤُهَا بِالصَّيْدِ، وَأَصْلُهُ تَعْلِيمُ الْكِلَابِ، غُلِّبَ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْكَلَبِ بِالتَّحْرِيكِ، بِمَعْنَى الضَّرَاوَةِ، يُقَالُ: هُوَ كَلِبٌ - كَكَتِفٍ - بِكَذَا، إِذَا كَانَ ضَارِيًا بِهِ، وَمَوْضِعُ مُكَلِّبِينَ: النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ أَوْ هِيَ اسْتِئْنَافٌ، أَيْ: أَنْتُمْ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ، أَيْ مِمَّا أَلْهَمَكُمُ اللهُ إِيَّاهُ وَهَدَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَرْوِيضِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِتَعْلِيمِهَا، وَمَا أَلْهَمَكُمْ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ إِلَّا وَهُوَ يُبِيحُهُ لَكُمْ، وَنُكْتَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَالِيَّةٌ مُرَاعَاةُ اسْتِمْرَارِ تَعَاهُدِ الْجَوَارِحِ بِالتَّعْلِيمِ ; لِأَنَّ إِغْفَالَهَا يُنْسِيهَا مَا تَعَلَّمَتْ، فَتَصْطَادُ لِنَفْسِهَا وَلَا تُمْسِكُ عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِمْسَاكُهَا عَلَيْهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.