شَرْطٌ لِحِلِّ صَيْدِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ الَّذِي أَلْهَمَنِيهِ اللهُ
- تَعَالَى - أَظْهَرُ مِمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ الْمُبَالَغَةُ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْلِيمِ، وَإِذَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا فَنُكْتَتُهَا تَذْكِيرُ النَّاسِ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِهِدَايَتِهِمْ إِلَى مِثْلِ هَذَا التَّعْلِيمِ عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ فِي مَزْجِ الْأَحْكَامِ بِمَا يُغَذِّي التَّوْحِيدَ وَيُنَمِّي الِاعْتِرَافَ بِفَضْلِ اللهِ وَشُكْرِ نِعَمِهِ. وَغَايَةُ تَعْلِيمِ الْجَارِحِ أَنْ يَتْبَعَ الصَّيْدَ بِإِغْرَاءِ مُعَلِّمِهِ أَوِ الصَّائِدِ بِهِ، وَيُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَيَنْزَجِرَ بِزَجْرِهِ، وَيُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَيْهِ.
وَالْمَعْنَى: أُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كُلِّهَا، وَصَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ بِشَرْطِهِ. أَمَّا الطَّيِّبَاتُ فَظَاهِرُ الْحَصْرِ فِي آيَتَيِ الْأَنْعَامِ وَالنَّحْلِ أَنَّ كُلَّ مَا عَدَا الْمَنْصُوصِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ طَيِّبٌ فَهُوَ حَلَالٌ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ مَا هُوَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ طَيِّبٌ حِلٌّ بِنَصِّ الْكِتَابِ ; كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَصَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، أَيْ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ مِنْهُمَا. فَأَمَّا الْبَحْرُ فَكُلُّ حَيَوَانِهِ يُصَادُ، وَأَمَّا الْبَرُّ فَإِنَّمَا يُصَادُ مِنْهُ لِلْأَكْلِ فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ الْغَالِبِ، مَا عَدَا سِبَاعَ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ، فَتَكُونُ هَذِهِ السِّبَاعُ حَرَامًا، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. وَحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، مَا عَدَا التِّرْمِذِيَّ فِي الْأَوَّلِ، وَأَبَا دَاوُدَ فِي الثَّانِي. وَمَنْ أَخَذَ بِالْحَصْرِ فِي الْآيَتَيْنِ جَعَلَ النَّهْيَ عَمَّا ذُكِرَ نَهْيَ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ. وَالسَّبُعُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: مَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ ; فَيَخْرُجُ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ ; لِأَنَّهُمَا لَا يَعْدُوَانِ عَلَى النَّاسِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّ مَا أَكَلَ اللَّحْمَ، قَالُوا: فَيَدْخُلُ فِيهِ الضَّبُعُ وَالضَّبُّ وَالنَّمِرُ وَالْيَرْبُوعُ وَالْفِيلُ، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَجَازَ أَكْلَ الضَّبِّ، كَمَا فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَحَادِيثَ أُخْرَى، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَعَافُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ قَوْمِهِ. وَأَجَازَ أَكْلَ الضَّبُعِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ يَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَخْذِ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ مِنْ مَفْهُومِ الصَّيْدِ، وَنَصُّهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عِمَارَةَ، قَالَ: " قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ أَصِيدُ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا - لَوْلَا مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَصْرِ - أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِي الْكِتَابِ عَلَى حِلِّهِ أَوْ عَلَى حُرْمَتِهِ قِسْمَانِ: طَيِّبٌ حَلَالٌ وَخَبِيثٌ حَرَامٌ، وَهَلِ الْعِبْرَةُ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا ذَوْقُ أَصْحَابِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، أَوْ يَعْمَلُ كُلُّ أُنَاسٍ بِحَسْبِ ذَوْقِهِمْ؟ كُلٌّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ مُحْتَمَلٌ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.