(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يُقْسِمُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الْعَهْدَ الْمُوَثَّقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَعْمَلُنَّ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ ; لِإِفَادَةِ تَأْكِيدِ هَذَا الْأَمْرِ وَتَحْقِيقِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِمَا رَتَّبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى تَوْرَاتِهِمْ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَارِيخِهِمْ. وَلَا يَزَالُ هَذَا الْمِيثَاقُ فِي آخِرِ الْأَسْفَارِ الْخَمْسَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ (رَاجِعْ تَفْسِيرَ " وَأَخْذِنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا " (٤: ١٥٤) مِنْ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ التَّفْسِيرِ) .
(وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) النَّقِيبُ فِي الْقَوْمِ: مَنْ يُنَقِّبُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَبْحَثُ عَنْ شُئُونِهِمْ، مِنْ نَقَبَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا بَحَثَ أَوْ فَحَصَ فَحْصًا بَلِيغًا، وَأَصْلُهُ الْخَرْقُ فِي الْجِدَارِ وَنَحْوِهِ ; كَالنَّقْبِ فِي الْخَشَبِ وَمَا شَابَهَهُ، وَيُقَالُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ (مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَعَلِمَ) نِقَابَةً ; أَيْ صَارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، عُدِّيَ بِاللَّامِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّوْلِيَةِ وَالرِّيَاسَةِ، وَنُقَبَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ زُعَمَاءُ أَسْبَاطِهِمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ. وَالْمُرَادُ بِبَعْثِهِمْ: إِرْسَالُهُمْ لِمُقَاتَلَةِ الْجَبَّارِينَ الَّذِينَ يَجِيءُ خَبَرُهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا أُخِذَ بِهِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْثَهُمْ مِنْهُمْ هُوَ جَعْلُهُمْ رُؤَسَاءَ فِيهِمْ (وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ) أَيْ إِنِّي مَعَكُمْ بِالْمَعُونَةِ وَالنَّصْرِ مَا دُمْتُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى مِيثَاقِي، قَالَ اللهُ هَذَا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ بَلَّغَهُ عَنْهُ، وَكَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَيُجَدِّدُهُ رُسُلُهُمْ، وَيَتَوَعَّدُونَهُمْ نَحْوَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ مُوسَى عِنْدَ أَخْذِهِ عَلَيْهِمْ، إِذَا هُمْ نَقَضُوهُ (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) أَيْ وَأَقْسَمَ اللهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِمَا مَضْمُونُهُ: لَئِنْ أَدَّيْتُمُ الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَعْطَيْتُمْ مَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي تَتَزَكَّى بِهَا نُفُوسُكُمْ، وَتَتَطَهَّرُ مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أَيْ بِرُسُلِي الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ بَعْدَ مُوسَى ; كَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ،
صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَهَذِهِ هِيَ نُكْتَةُ تَأْخِيرِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ - وَهُوَ مِنْ أَصُولُ الْعَقَائِدِ - عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهُمَا مِنْ فُرُوعِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الْخِطَابَ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي بَلَّغَهُمْ ذَلِكَ.
" وَالتَّعْزِيرُ ": النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ، كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَسُمِّيَ مَا دُونَ الْحَدِّ مِنَ التَّأْدِيبِ الشَّرْعِيِّ تَعْزِيرًا ; لِأَنَّهُ نُصْرَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَمْعٌ لِلْمُعَزَّرِ عَمَّا يَضُرُّ وَمَنَعٌ لَهُ أَنْ يُقَارِفَهُ. فَالتَّعْزِيرُ قِسْمَانِ: أَنْ تَرُدَّ عَنِ الْمَرْءِ مَا يَضُرُّهُ، أَوْ تَرُدَّهُ هُوَ عَمَّا يَضُرُّهُ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ تَعْزِيرُ النَّاسِ لِلرُّسُلِ (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) أَيْ وَبَذَلْتُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْمَعْرُوفِ فَوْقَ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ وَفَرَضَهُ عَلَيْكُمْ بِالنَّصِّ ; فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَقْرَضَ مَالَهُ لِغَنِيٍّ مَلِيٍّ وَفِيٍّ ; فَهُوَ لَا يَضِيعُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَجِدُهُ أَمَامَهُ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَا فِي هَذَا التَّعْبِيرِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالتَّأْثِيرِ، فَارْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) (٢: ٢٤٥) فِي ص ٣٦٦ - ٣٧٢ مِنْ جُزْءِ التَّفْسِيرِ الثَّانِي ط الْهَيْئَةِ. (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ ; أَيْ لَأُزِيلَنَّ بِتِلْكَ الْحَسَنَاتِ الْخَمْسِ - الصَّلَاةِ
،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.