لَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي ضَيَاعِ حَظٍّ عَظِيمٍ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ، وَفِي وُقُوعِ التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْهَا، وَفِي إِيرَادِ الشَّوَاهِدِ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، وَمِنَ التَّارِيخِ الدِّينِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِ مُنَاظَرَاتٌ دِينِيَّةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّصَارَى أَقَامُوا بِنَاءَ دِينِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا (الْعَهْدَ الْجَدِيدَ) عَلَى أَسَاسِ كُتُبِ الْيَهُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا (الْعَهْدَ الْعَتِيقَ) لَمَا زِدْنَا فِي الْكَلَامِ عَنْ كُتُبِ الْيَهُودِ عَلَى مَا نُثْبِتُ بِهِ مَا وَصَفَهَا بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ بِالْإِجْمَالِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ تَدْفَعُنَا إِلَى بَعْضِ التَّفْصِيلِ فِي إِثْبَاتِ نِسْيَانِ النَّصَارَى وَإِضَاعَتِهِمْ حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَحْرِيفِ الْكُتُبِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَسْرَفُوا فِي التَّعَدِّي عَلَى الْإِسْلَامِ وَالطَّعْنِ فِيهِ، فَكَانَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ بَنَى بَيْتًا مِنَ الزُّجَاجِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنَ الرَّمْلِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَنْصِبَ فِيهِ الْمَدَافِعَ ; لِيَهْدِمَ حِصْنًا حَصِينًا مَبْنِيًّا عَلَى جَبَلٍ رَاسِخٍ (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٩: ١٠٩) .
وَقَدْ قَامَتْ مَجَلَّتُنَا - الْمَنَارُ - بِمَا يَجِبُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ، وَدَفْعِ مَا بَدَأَ بِهِ دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَسَبَقَ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا نُشِرَ فِي الْمَنَارِ، وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ بِالْإِيجَازِ:
(فَصْلٌ فِي ضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ وَتَحْرِيفِ كُتُبِ النَّصَارَى الْمُقَدَّسَةِ) أَوَّلًا: إِنَّ الْكُتُبَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْأَنَاجِيلَ الْأَرْبَعَةَ تَارِيخٌ مُخْتَصَرٌ لِلْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِ يُوحَنَّا فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: " هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا، وَكَتَبَ هَذَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ، وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ، آمِينَ ".
هَذِهِ الْعِبَارَةُ يُرَادُ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي بَيَانِ أَنَّ الَّذِي كُتِبَ عَنِ الْمَسِيحِ لَا يَبْلُغُ عُشْرَ مِعْشَارِ تَارِيخِهِ. وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ، وَقَعَتْ فِي أَزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ وَعِنْدَ تِلْكَ الْأَعْمَالِ كَثِيرًا. فَهَذَا كُلُّهُ قَدْ ضَاعَ وَنُسِيَ، وَحَسْبُنَا هَذَا حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي إِثْبَاتِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) وَحُجَّةً عَلَى بَعْضِ عُلَمَائِنَا الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ كُتُبَهُمْ حُفِظَتْ وَتَوَاتَرَتْ. قَالَ صَاحِبُ ذَخِيرَةِ الْأَلْبَابِ: " إِنَّ الْإِنْجِيلَ لَا يَسْتَغْرِقُ كُلَّ أَعْمَالِ الْمَسِيحِ، وَلَا يَتَضَمَّنُ كُلَّ أَقْوَالِهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ".
ثَانِيًا: الْإِنْجِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْهُدَى وَالْبِشَارَةِ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَا كَانَ يَدُورُ ذِكْرُهُ عَلَى أَلْسِنَةِ كُتَّابِ تِلْكَ التَّوَارِيخِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.