مِنْهُمْ، وَقِيلَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّ فِيهِ لَاهُوتًا، وَقَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا وَاحِدٌ، لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَسِيحَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ لَازِمُ قَوْلِهِمْ ; تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ، وَتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ "، وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَقِيدَةِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَأَنَّهُ لَازِمُ مَذْهَبِ النَّصَارَى، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقُولُونَهُ، أَوْ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَصَرَّحَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ مَذْهَبُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَذَلِكَ أَنَّ السَّابِقِينَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ ذَكَرُوا أَنَّ النَّصَارَى ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْيَعْقُوبِيَّةُ، وَالْمِلْكَانِيَّةُ، وَالنَّسْطُورِيَّةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْثَالَ الزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالرَّازِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِمَا يَعْرِفُونَ عَنِ النَّصَارَى ; فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا كُتُبَهُمْ، وَلَمْ يُنَاظِرُوهُمْ فِيهَا وَفِي عَقَائِدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَا فِي كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ قَضَايَا مُسَلَّمَةً، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهَا مِنْ تَفْسِيرِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ بِأَنَّهَا الْوُجُودُ وَالْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ ; فَالْقَوْلُ بِهَا لَا يُنَافِي وَحْدَانِيَّةَ الْخَالِقِ، وَكَانَ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا بَعْضُ عُلَمَاءِ النَّصَارَى لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانَ يَعْتَقِدُ هَذَا، كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ الْآنَ فِي نَصَارَى أُورُبَّةَ وَغَيْرِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَبِيٌّ رَسُولٌ لَا إِلَهٌ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي النَّصَارَى مَنْ يَقُولُ بِتِلْكَ الْفَلْسَفَةِ ; لِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ يُغَيِّرُونَ فِي دِينِهِمْ مَا شَاءُوا أَنْ يُغَيِّرُوا فِي فَلْسَفَتِهِ وَغَيْرِ فَلْسَفَتِهِ، وَكَانَ أَكْبَرُ تَغْيِيرِ حَدَثَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ مَذْهَبَ (الْبُرُوتِسْتَانْتِ) أَيْ إِصْلَاحَ النَّصْرَانِيَّةِ ; حَدَثَ مُنْذُ أَرْبَعَةِ قُرُونٍ، وَصَارَ هُوَ السَّائِدَ فِي أَعْظَمِ الْأُمَمِ مَدَنِيَّةً وَارْتِقَاءً ; كَالْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ وَإِنْكِلْتِرَةَ وَأَلْمَانْيَةَ. نَسَفَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَكْثَرَ التَّقَالِيدِ وَالْخُرَافَاتِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ اسْتَبْدَلَ بِهَا تَقَالِيدَ أُخْرَى، فَصَارَ عِدَّةَ مَذَاهِبَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَمَعَ هَذَا تَرَى هَؤُلَاءِ الْمُصْلِحِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَعَادُوا النَّصْرَانِيَّةَ إِلَى أَصْلِهَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا
أَنْ يُرْجِعُوهَا إِلَى التَّوْحِيدِ الصَّحِيحِ الَّذِي هُوَ دِينُ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرُسُلِ اللهِ أَجْمَعِينَ، فَهُمْ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ بِأُلُوهِيَّةِ الْمَسِيحِ وَبِالتَّثْلِيثِ، وَيَعُدُّونَ الْمُوَحِّدَ غَيْرَ مَسِيحِيٍّ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْفِرْقَتَانِ الْكَبِيرَتَانِ الْأُخْرَيَانِ مِنْ فِرَقِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَهُمُ الْكَاثُولِيكُ وَالْأُرْثُوذُكْسُ، فَجَمِيعُ فِرَقِ نَصَارَى هَذَا الْعَصْرِ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ هُوَ اللهُ، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّصَارَى الْقُدَمَاءَ لَمْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ كَمَا قَالَ مُفَسِّرُونَا.
قَالَ (الدُّكْتُورُ بوستُ) فِي تَارِيخِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ مَا نَصُّهُ: " طَبِيعَةُ اللهِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ مُتَسَاوِيَةِ الْجَوْهَرِ: اللهُ الْآبُ، وَاللهُ الِابْنُ، وَاللهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، فَإِلَى الْآبِ يَنْتَمِي الْخَلْقُ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ، وَإِلَى الِابْنِ الْمُفَدَّى وَإِلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ التَّطْهِيرُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَانِيمَ تَتَقَاسَمُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ عَلَى السَّوَاءِ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ التَّثْلِيثِ فَغَيْرُ وَاضِحَةٍ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ كَمَا هِيَ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا فِي (تك ص١) حَيْثُ ذُكِرَ " اللهُ " وَ " رُوحُ اللهِ ". . . إِلَخْ (قابل مز ٣٣: ويو ١٦: ١٠ و٣) وَالْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُشَخِّصَةُ فِي (أم ص ٨)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.