إِلَى لَحْمِ الْمَسِيحِ وَدَمِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا. وَالْقُرْبَانُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ قَرُبَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ قُرْبًا وَقُرْبَانًا ; فَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَغَيْرُهُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَرَّبَ قُرْبَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا قَدْ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَاحِدًا، كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) أَيْ فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْ أَحَدِهِمَا قُرْبَانَهُ أَوْ تَقْرِيبَهُ الْقُرْبَانَ ; لِتَقْوَاهُ وَإِخْلَاصِهِ فِيهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ بِهِ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ لِعَدَمِ التَّقْوَى وَالْإِخْلَاصِ، وَالتَّقَبُّلُ أَخَصُّ مِنَ الْقَبُولِ ; لِأَنَّهُ تَرَقٍّ فِيهِ إِلَى الْعِنَايَةِ بِالْمَقْبُولِ وَالْإِثَابَةِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا اللهُ تَعَالَى كَيْفَ عَلِمَا أَنَّهُ تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ لِأَبِيهِمَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمَا ابْنَا آدَمَ لِصُلْبِهِ وِفَاقًا لِسِفْرِ التَّكْوِينِ، أَوْ لِنَبِيِّ زَمَانِهِمَا، عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ وَزَرْعٍ، وَالْآخَرَ صَاحِبُ غَنَمٍ، وَأَنَّ هَذَا قَرَّبَ أَكْرَمَ غَنَمِهِ وَأَسْمَنَهَا وَأَحْسَنَهَا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، وَصَاحِبُ الزَّرْعِ قَرَّبَ شَرَّ مَا عِنْدَهُ وَأَرْدَأَهُ غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِهِ نَفْسُهُ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْقُرْبَانَ الْمَقْبُولَ كَانَتْ تَجِيءُ النَّارُ فَتَأْكُلُهُ وَلَا تَأْكُلُ غَيْرَ الْمَقْبُولِ، وَهَذِهِ أَخْبَارٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهَا عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ، بَعْضُهَا يُوَافِقُ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ وَبَعْضُهَا يُخَالِفُهُ. وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) أَيْ إِنَّ مَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ تَوَعَّدَ أَخَاهُ وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّهُ، فَأَجَابَهُ أَحْسَنَ جَوَابٍ وَأَنْفَعَهُ: (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أَيْ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّدَقَاتِ
وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَبُولَ الْمَقْرُونَ بِالرِّضَا وَالْإِثَابَةِ، إِلَّا مِنَ الْمُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوَى، فَهَذَا الْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ بَيَانَ سَبَبِ الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ مَعَ الِاعْتِذَارِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّنِي لَمْ أُذْنِبْ إِلَيْكَ ذَنْبًا تَقْتُلُنِي بِهِ، فَإِنْ كَانَ اللهُ تَعَالَى لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْكَ، فَارْجِعْ إِلَى نَفْسِكَ، فَحَاسِبْهَا عَلَى السَّبَبِ، فَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ; أَيِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ، وَهُوَ الرِّيَاءُ وَالشُّحُّ وَاتِّبَاعُ الْأَهْوَاءِ، فَاحْمِلْ نَفْسَكَ عَلَى تَقْوَى اللهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعَمَلِ، ثُمَّ تَقَرَّبْ إِلَيْهِ بِالطَّيِّبَاتِ يَتَقَبَّلْ مِنْكَ، فَاللهُ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (٣: ٩٢) فَلْيَتَّعِظْ بِهَذَا أَهْلُ الْغُرُورِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا النَّفَقَاتُ الَّتِي يُرَاءُونَ بِهَا النَّاسَ، وَيَبْغُونَ بِهَا الصِّيتَ وَالثَّنَاءَ.
ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ بَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَقِّ اللهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، بَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةً أُخْرَى، وَهِيَ مَا يَجِبُ لِلنَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا الْإِخْوَةُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنِ احْتِرَامِ الدِّمَاءِ وَحِفْظِ الْأَنْفُسِ، فَقَالَ: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) أَيْ بَيَّنَ لَهُ حَالَهُ، وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنْ عَدَمِ مُقَابَلَتِهِ عَلَى جِنَايَتِهِ بِمِثْلِهَا، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِالْقَسَمِ، وَبِجُمْلَةِ النَّفْيِ الِاسْمِيَّةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.