فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَوَعَدَ الْمُنَافِقِينَ بِأَنْ يَذْهَبَ وَيَأْتِيَهُمْ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ لِلْإِيقَاعِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَمُحَارَبَةُ هَذَا الرَّاهِبِ مِنْ قَبْلُ كَانَتْ بِإِثَارَةِ الْفِتَنِ، لَا بِالْقِتَالِ وَالنِّزَالِ، وَأَمَّا لَفْظُ " الْحَرْبِ " فَقَدْ ذُكِرَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ أَرْبَعِ سُوَرٍ ; مِنْهَا إِعْلَامُ الْمُصِرِّينَ عَلَى الرِّبَا بِأَنَّهُمْ فِي حَرْبٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَالْبَاقِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ ضِدُّ السِّلْمِ. وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي - وَلَا يَزَالُونَ - يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَجْلِ السَّلْبِ وَالنَّهْبِ، وَقَدْ جَعَلَ الْفُقَهَاءُ كِتَابَ الْمُحَارَبَةِ - وَيَقُولُونَ الْحَرَابَةُ أَيْضًا - غَيْرَ كِتَابِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ. وَجَعَلُوا الْأَصْلَ فِيهَا هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَعَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا إِشْهَارُ السِّلَاحِ وَقَطْعُ السَّبِيلِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ كَالشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشَّوْكَةِ.
(كَالَّذِينِ يُؤَلِّفُونَ الْعِصَابَاتِ الْمُسَلَّحَةَ لِلسَّلْبِ وَالنَّهْبِ وَقَتْلِ مَنْ يُعَارِضُهُمْ، أَوْ لِمُقَاوَمَةِ السُّلْطَةِ ; ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ
وَالْفَسَادِ) وَاشْتَرَطُوا فِيهَا شُرُوطًا سَنُشِيرُ إِلَى الْمُهِمِّ مِنْهَا.
أَمَّا كَوْنُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعُدْوَانِ مُحَارَبَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَلِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى شَرِيعَةِ السِّلْمِ وَالْأَمَانِ وَالْحَقِّ وَالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ. فَمُحَارَبَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ هِيَ عَدَمُ الْإِذْعَانِ لِدِينِهِ وَشَرْعِهِ فِي حِفْظِ الْحُقُوقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُصِرِّينَ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (٢: ٢٧٩) وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَمَنْ لَمْ يُذْعِنُوا لِلشَّرْعِ فِيمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُعَدُّونَ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الَّذِي يُقِيمُ الْعَدْلَ وَيَحْفَظُ النِّظَامَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ، حَتَّى يَفِيئُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَمَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَقْبَلُ مِنْهُ وَيَكُفُّ عَنْهُ، وَلَكِنْ إِذَا امْتَنَعُوا عَلَى إِمَامِ الْعَدْلِ الْمُقِيمِ لِلشَّرْعِ، وَعَثَوْا إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مَا بَيَّنَهُ اللهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) مُتَمِّمٌ لِمَا قَبْلَهُ ; أَيْ يَسْعَوْنَ فِيهَا سَعْيَ فُسَّادٍ أَوْ مُفْسِدِينَ فِي سَعْيِهِمْ لِمَا صَلَحَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَأَسْبَابِ الْمَعَاشِ.
وَالْفَسَادُ ضِدُّ الصَّلَاحِ، فَكُلُّ مَا يَخْرُجُ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَالِحًا نَافِعًا، يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ فَسَدَ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا كَانَ سَبَبًا لِفَسَادِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْسَدَهُ، فَإِزَالَةُ الْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَمْوَالِ أَوِ الْأَعْرَاضِ، وَمُعَارَضَةُ تَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ الْعَادِلَةِ وَإِقَامَتِهَا، كُلُّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ. رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْفَسَادَ هُنَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْلَ مُجَاهِدٍ بِأَنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ وَالْمَفَاسِدَ لَهَا عُقُوبَاتٌ فِي الشَّرْعِ غَيْرُ مَا فِي الْآيَةِ، فَلِلزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ حُدُودٌ، وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَيَضْمَنُهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.