أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَيُخْزَيَانِ. قَالَ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٣: ٩٣) فَجَاءُوا بِالتَّوْرَاةِ، وَجَاءُوا بِقَارِئٍ لَهُمْ - وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ زِيَادَةُ: " أَعْوَرَ " يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَا - فَقَرَأَ حَتَّى إِذَا أَتَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِيَ تَلُوحُ (أَيْ آيَةُ الرَّجْمِ) فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ فِيهَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَجْنَأُ عَلَيْهَا (أَيْ يَنْحَنِي) يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفَسِهِ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا " (وَهُوَ بِمَعْنَى التَّسْخِيمِ هُنَا وَالتَّحْمِيمِ فِي رِوَايَةٍ
أُخْرَى ; فَالْأَوَّلُ مِنَ السُّخَامِ وَهُوَ سَوَادُ الْقِدْرِ، وَالثَّانِي مِنَ الْحُمَّةِ وَهِيَ الْفَحْمَةُ) وَنَحْمِلُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا ; أَيْ نُرْكِبُهُمَا وَنَجْعَلُ وُجُوهَهُمَا إِلَى مُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْخِزْيِ ; أَيِ الْفَضِيحَةِ. وَفِيهَا أَنَّ الَّذِي أَمَرَ الْقَارِئَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: اللهُمَّ لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ "، وَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٥: ٤٤) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٥: ٤٥) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٥: ٤٧) . قَالَ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا.
هَذَا أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَهَاكَ تَفْسِيرُهَا: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) الْخِطَابُ بِوَصْفِ الرَّسُولِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَسَيَأْتِي، وَمِثْلُهُ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) (٦٦: ١) وَوَرَدَ فِي بِضْعِ سُوَرٍ. وَفِي هَذَا التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.