قَالَ: صَدَقَ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ لَيْسَ كَكُفْرِ الشِّرْكِ، وَظُلْمٌ لَيْسَ كَظُلْمِ الشِّرْكِ، وَفِسْقٌ لَيْسَ كَفِسْقِ الشِّرْكِ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِابْنِهِ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ فَضْلًا عَظِيمًا عَلَيْكَ وَعَلَى مِقْسَمٍ "، وَالْمُرَادُ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ أَوْ تَرْكَهُ إِلَى غَيْرِهِ - وَهُوَ الْمُرَادُ - لَا يُعَدُّ كُفْرًا بِمَعْنَى الْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ، بَلْ بِمَعْنَى أَكْبَرِ الْمَعَاصِي.
وَأَقُولُ: إِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْ خَوَاتِمِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُرَادُ بِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمْ، لَا أَنَّهَا فِي كِتَابِهِمْ ; إِذْ لَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَحْكِيَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ، وَالْأُولَيَانِ مِنْهَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى الْيَهُودِ، وَالثَّالِثَةُ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى النَّصَارَى، لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهَا عَامَّةٌ، لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ فِي الْأُولَى، وَكَذَا الْأُخْرَيَانِ، إِذَا كَانَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ نَاشِئًا عَنِ اسْتِقْبَاحِهِ وَعَدَمِ الْإِذْعَانِ لَهُ، وَتَفْضِيلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنَ السِّيَاقِ فِي الْأُولَى بِمَعُونَةِ سَبَبِ النُّزُولِ كَمَا رَأَيْتَ فِي تَصْوِيرِنَا لِلْمَعْنَى.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْآيَاتِ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، تَظْهَرُ لَكَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الْكُفْرِ فِي الْأُولَى، وَبِوَصْفِ الظُّلْمِ فِي الثَّانِيَةِ، وَبِوَصْفِ الْفُسُوقِ فِي الثَّالِثَةِ، فَالْأَلْفَاظُ وَرَدَتْ بِمَعَانِيهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقَةً لِاصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ. فَفِي الْآيَةِ الْأُولَى كَانَ الْكَلَامُ فِي التَّشْرِيعِ وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْهُدَى وَالنُّورِ وَالْتِزَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ الْعَمَلَ وَالْحُكْمَ بِهِ، وَالْوَصِيَّةَ بِحِفْظِهِ. وَخُتِمَ الْكَلَامُ بِبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُعْرِضٍ عَنِ الْحُكْمِ بِهِ لِعَدَمِ الْإِذْعَانِ لَهُ، رَغْبَةً عَنْ هِدَايَتِهِ وَنُورِهِ، مُؤْثِرًا لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْكَافِرُ بِهِ، وَهَذَا وَاضِحٌ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، أَوْ مَنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِهِ عَنْ جَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ، وَهَذَا هُوَ الْعَاصِي بِتَرْكِ الْحُكْمِ، الَّذِي يَتَحَامَى أَهْلُ السُّنَّةِ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِ،
وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ فِيهَا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْإِيمَانِ وَتُرْجُمَانُ الدِّينِ، بَلْ فِي عِقَابِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْأَنْفُسِ أَوِ الْأَعْضَاءِ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ فَهُوَ الظَّالِمُ فِي حُكْمِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ فِي بَيَانِ هِدَايَةِ الْإِنْجِيلِ، وَأَكْثَرُهَا مَوَاعِظُ وَآدَابٌ وَتَرْغِيبٌ فِي إِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُطَابِقُ مُرَادَ الشَّارِعِ وَحِكْمَتَهُ، لَا بِحَسَبِ ظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ، فَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ، مِمَّنْ خُوطِبُوا بِهَا، فَهُمُ الْفَاسِقُونَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مُحِيطِ تَأْدِيبِ الشَّرِيعَةِ.
وَقَدِ اسْتَحْدَثَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ نَحْوَ مَا اسْتَحْدَثَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَتَرَكُوا بِالْحُكْمِ بِهَا بَعْضَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.