عَنْ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ وَقَبُولِ كَلَامِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
يُوَضِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: نَسَخَ عُمَرُ كِتَابًا مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ، وَوَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرَى وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ; فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي " وَوَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ. وَالْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِهِمُ النَّهْيُ عَنْ سُؤَالِ الِاهْتِدَاءِ وَتَلَقِّي مَا يَرْوُونَهُ بِالْقَبُولِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ ; لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ أَوْ لِتَفْصِيلِ بَعْضِ مَا أَجْمَلَهُ الْقُرْآنُ. وَسَبَبُهُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ السِّيَاقِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لِنِسْيَانِهِمْ بَعْضَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَتَحْرِيفِهِمْ لِبَعْضِهِ، بَطَلَتِ الثِّقَةُ بِرِوَايَتِهِمْ، فَالْمُصَدِّقُ لَهَا عُرْضَةٌ لِتَصْدِيقِ الْبَاطِلِ، وَالْمُكَذِّبُ لَهَا عُرْضَةٌ لِتَكْذِيبِ الْحَقِّ، إِذْ لَا يَتَيَسَّرُ لَنَا أَنْ نُمَيِّزَ فِيمَا عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْمَحْفُوظِ السَّالِمِ مِنَ التَّحْرِيفِ وَغَيْرِهِ، فَالِاحْتِيَاطُ أَلَّا نُصَدِّقَهُمْ وَلَا نُكَذِّبَهُمْ إِلَّا إِذَا رَوَوْا شَيْئًا يُصَدِّقُهُ الْقُرْآنُ أَوْ يُكَذِّبُهُ، فَإِنَّا نُصَدِّقُ مَا صَدَّقَهُ، وَنُكَذِّبُ مَا كَذَّبَهُ ; لِأَنَّهُ مُهَيْمِنٌ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ، وَشَهِيدٌ عَلَيْهَا، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ ; لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالْحَقِّ، وَحَفِظَهُ اللهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ بِتَوْفِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِحِفْظِهِ فِي الصُّدُورِ وَالسُّطُورِ، مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَوْمِ، وَسَيَحْفَظُهُ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١٥: ٩) وَلَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي السُّؤَالِ عَنْ أَمْرٍ مُتَوَاتِرٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الرُّسُلَ كَانُوا رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ.
(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) أَيْ إِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ الْقُرْآنِ وَمَنْزِلَتَهُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِأَمْرِ الدِّينِ بَعْدَهَا، وَرَقِيبٌ وَشَهِيدٌ عَلَيْهَا، فَاحْكُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ، دُونَ مَا أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ شَرْعَكَ نَاسِخٌ لِشَرَائِعِهِمْ (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) أَيْ وَلَا تَتَّبِعْ مَا يَهْوُونَ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ وَيَخِفُّ احْتِمَالُهُ، مَائِلًا بِذَلِكَ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا رَيْبَ، وَلَوْ إِلَى مَا صَحَّ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ بِمَا نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِتَعْلِيلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَبْلَهَا ; أَيْ لِكُلِّ رَسُولٍ
أَوْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْكِتَابِيُّونَ أَوْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا شَرِيعَةً أَوْجَبْنَا عَلَيْهِمْ إِقَامَةَ أَحْكَامِهَا، وَطَرِيقًا لِلْهِدَايَةِ فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ سُلُوكَهُ لِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِهَا ; لِأَنَّ الشَّرَائِعَ الْعَمَلِيَّةَ وَطُرُقَ التَّزْكِيَةِ الْأَدَبِيَّةِ تَخْتَلِفُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.