زَيْدِ لِزَيْنَبَ، وَلِتَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَافَقَ اجْتِهَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَبْعَهُ الْبَشَرِيَّ وَالْعَمَلَ بِظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ، فَكَانَ بِنَاءً عَلَى هَذَا يَقُولُ لِزَيْدٍ كُلَّمَا شَكَا إِلَيْهِ عِشْرَةَ زَيْنَبَ: " أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ "، وَيُخْفِي فِي نَفْسِهِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَلَاقِ زِيدٍ لَهَا، وَتَزَوُّجِهِ هُوَ بِهَا، وَلَكِنْ كَانَ يُحِبُّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ هَوَادَةٌ لِجَازَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْوَحْيِ مِثْلُ هَذَا التَّأْخِيرِ بِالِاجْتِهَادِ ; وَلِأَجْلِ هَذَا الشَّبَهِ وَالتَّنَاسُبِ بَيْنَ تَنْفِيذِ مَا أَرَادَ اللهُ مِنْ إِبْطَالِ التَّبَنِّي وَلَوَازِمِهِ
بِزَوَاجِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ، بَعْدَ تَطْلِيقِ زِيدٍ لَهَا، وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ، وَكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ خَشْيَةً مِنْ قَوْلِ النَّاسِ أَوْ فِعْلِهِمْ ; لِأَجْلِ هَذَا بَيَّنَ اللهُ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ سُنَّتَهُ فِي عَدَمِ الْحَرَجِ عَلَى الرُّسُلِ، وَفِي تَبْلِيغِهِمْ رِسَالَاتِ اللهِ، وَكَوْنِهِمْ يَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا سِوَاهُ (رَاجِعْ آيَةَ ٣٨ و٣٩ مِنْهَا) .
وَأَمَّا الثَّانِي - وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّاسِ - فَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْآرَاءِ فِي جَوَازِ كِتْمَانِ بَعْضِ الْوَحْيِ غَيْرِ الْقُرْآنِ أَوِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ غَيْرِ الْوَحْيِ عَنْ كُلِّ النَّاسِ أَوْ عَنْ جُمْهُورِهِمْ، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا ثَبَتَ فِي مَعْنَاهَا تَأْوِيلًا يَتَّفِقُ مَعَ آرَائِهِمْ، فَكَيْفَ لَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ؟ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ مِنْ سُؤَالِ بَعْضِ النَّاسِ عَلِيًّا الْمُرْتَضَى: هَلْ خَصَّهُمُ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَحْيِ أَوْ عِلْمِ الدِّينِ؟ يَعْنِي أَهْلَ الْبَيْتِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْهَا قَوْلُ أَبِي جُحَيْفَةَ لَعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
(قَالَ السَّائِلُ: قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ مِنَ الْوَحْيِ، وَكَذَا مَا فِي الصَّحِيفَةِ، وَهُوَ الْعَقْلُ ; أَيْ دِيَةُ الْقَتْلِ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ. . . إِلَخْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ سَبَبَ سُؤَالِ عَلِيٍّ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ غُلَاةِ الشِّيعَةِ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، أَوْ يَبُثُّونَ فِي النَّاسِ أَنَّ عِنْدَ عَلِيٍّ وَآلِ بَيْتِهِ مِنَ الْوَحْيِ، مَا خَصَّهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ النَّاسِ. وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ جَوَازُ الْكِتْمَانِ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَا يُوحِيهِ اللهُ لِلرُّسُلِ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِمْ، لَا يَأْذَنُهُمْ بِتَبْلِيغِهِ لِأَحَدٍ، وَمِنْهُ مَا يَأْمُرُهُمْ بِتَبْلِيغِهِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَمِنْهُ مَا يَخُصُّ بِهِ مَنْ يَرَاهُمْ أَهْلًا لَهُ مِنَ الْأَفْرَادِ. وَمِنْ هُنَا أَخَذَ مَنْ يَقُولُونَ إِنَّ عِلْمَ الْأَنْبِيَاءِ قِسْمَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ ; فَالظَّاهِرُ عَامٌ، وَالْبَاطِنُ خَاصٌّ. وَلِبَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ سَبَحٌ طَوِيلٌ فِي
بَحْرِ هَذِهِ الْأَوْهَامِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.