الْجَوَابُ: إِنَّهُ هُوَ الْجَوَابُ الْمَرْضِيُّ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْقَسَمَ كَانَ يَجْرِي فِي كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّأْكِيدِ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ الْأَوَّلِ وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا عِنْدِي بِمَعْنَى قَوْلِ الْبَيْهَقِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نُسِخَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ خُصُوصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَدُّوهُمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حَلِفِ قُرَيْشٍ بِآبَائِهِمْ كَانَ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ وَالْتِزَامُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ النَّهْيِ، وَإِلَّا فَلِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ غَالِبًا.
رَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ "، وَفِي لَفْظٍ " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللهِ " فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ: " لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ، عَنْهُ أَيْضًا " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللهِ " رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَصْرٌ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ والْبَيْهَقِيِّ مَرْفُوعًا: " لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ ".
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَلَا سِيَّمَا مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ مِنْهَا صَرَيْحَةٌ فِي حَظْرِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَدْخُلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمُومِ " غَيْرِ اللهِ تَعَالَى " وَالْكَعْبَةِ وَسَائِرِ مَا هُوَ مُعَظَّمٌ شَرْعًا تَعْظِيمًا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَظَّمَ شَيْءٌ
كَمَا يُعَظَّمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا سِيَّمَا التَّعْظِيمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَقَدْ كَانَ غُلُوُّ النَّاسِ فِي أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ سَبَبًا لِهَدْمِ الدِّينِ مِنْ أَسَاسِهِ وَاسْتِبْدَالِ الْوَثَنِيَّةِ بِهِ، وَنَسْأَلُ اللهَ الِاعْتِدَالَ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
(٢ جَوَازُ الْحِنْثِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَالتَّكْفِيرِ قَبْلَهُ) .
رَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ " وَفِي لَفْظٍ " فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ " فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، فِي بَعْضِ رِوَايَتِهِمْ تَقَدَّمَ الْأَمْرُ بِالْكَفَّارَةِ وَفِي بَعْضِهَا تَأْخِيرُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ " فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " نَصٌّ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ بَلْ ظَاهِرُهَا وُجُوبُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْكَفَّارَةِ لَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.