اللَّفْظِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ عَلَى تَحْكِيمِ الْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ. وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ إِنَّمَا يُوَافِقَانِ الْجُمْهُورَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَرَيَانِ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ كَلِمَتَيِ الْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ وَهَذَا حَقٌّ، وَمِنْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ قَدِ اسْتَوْفَتْهَا النُّصُوصُ وَبَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ فِيهَا أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَلَا لِإِيقَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَعَبَّدُوهَا " وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا زَادَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ بِالْقِيَاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرَ لِشَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةً قَيِّمَةً وَلَا قِيَاسًا صَحِيحًا.
(بَحْثٌ فِي الْتِزَامِ النُّصُوصِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ) .
تَمْهِيدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ:
كَانَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَشَدِّ عُلَمَاءِ السَّلَفِ تَشْدِيدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَتَدْقِيقًا فِي إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ، حَتَّى إِنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مَهْدِيٍّ - وَنَاهِيكَ بِعِلْمِهِ وَهَدْيِهِ - وَضْعَ رِدَائِهِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَرِّ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَأَنْكَرَ عَلَى مَنِ اسْتَشَارَهُ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَلَمَّا أَلَحَّ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ: " لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ " فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا. قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ قَدْ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢٤: ٦٣) وَمِنْ أَجَلِّ كَلَامِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الدِّينَ وَفِي رِوَايَةٍ: الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا لَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا اهـ.
نَقَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ (ص: ١٦٧ ج١ و١٩٨ ج٢) وَقَالَ فِي ص: ٣١٠ مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِذَلِكَ الْتَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَإِنْ ظَهَرَتْ لِبَادِيَ الرَّأْيِ، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ فِي إِزَالَةِ الْأَخْبَاثِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُطْلَقِ النَّظَافَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا غَيْرُهُ حَتَّى اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُ الْمَاءِ مَقَامَهُ عِنْدَهُ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ حَتَّى يَكُونَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ التَّكْبِيرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.