مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطِّبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ الْعَامِّ - وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ إِرْشَادًا لَا تَشْرِيعًا - وَكَذَا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتَاوَى الشَّخْصِيَّةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْجُمْهُورُ لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِتَبْلِيغِهِ، فَالْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الشَّرْعِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ; لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى فِي الْعَادَاتِ مِمَّا يُقَوِّي الْأُمَّةَ، وَيُمَكِّنُ الرَّابِطَةَ وَالْوَحْدَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْبَغِي لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجْبِرُوا أَحَدًا عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً صَالِحَةً فِي مِثْلِهِ.
الْخَامِسُ: مَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِعُ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِيهِ مَا يَقْتَضِي فِعْلًا وَلَا تَرْكًا فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَحْمَةً مِنْهُ وَتَخْفِيفًا عَلَى عِبَادِهِ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ تَعَالَى فِعْلَ شَيْءٍ أَوْ تَرْكَ شَيْءٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ مَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَّا خَاصٌّ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَصَالِحِهَا وَمَشْرُوطٌ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: " لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ " وَأَمَّا أَمْرُ الدِّينِ فَقَدْ تَمَّ وَكَمُلَ. وَهُوَ تَعَالَى شَارِعُ الدِّينِ كَمَا قَالَ: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (٤٢: ١٣) إِلَخْ. وَكَمَا قَالَ: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) (٤٥: ١٨) وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مُبَلِّغُ الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (٤٢: ٤٨) وَمُبِيِّنُهُ كَمَا قَالَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤) فَلَيْسَ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ الْمَحْضِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَدْلُولِ النُّصُوصِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهَا، وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ أَوِ ادُّعِيَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ أَوْ جُعِلَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ اتَّخَذَ رَبًّا مِنْ دُونِهِ (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) (٤٢: ٢١) .
وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَتَّى إِنَّ فِيمَا أَثْبَتْنَاهُ هُنَا
تَكْرَارًا وَإِعَادَةً لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ " وَفِي الْإِعَادَةِ إِفَادَةٌ " كَمَا قِيلَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْأُسْلُوبُ وَتَنَوَّعَ التَّعْبِيرُ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.