الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. (الثَّانِيَةُ) إِذْهَابُ رِجْزِ الشَّيْطَانِ عَنْهُمْ. وَالرِّجْزُ وَالرِّجْسُ وَالرِّكْسُ كُلُّهَا بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ حِسًّا أَوْ مَعْنًى. وَالْمُرَادُ هُنَا وَسْوَسَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَأْثُورِ. (الثَّالِثَةُ) الرَّبْطُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَثْبِيتِهَا وَتَوْطِينِهَا عَلَى الصَّبْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا
عَلَى قَلْبِهَا (٢٨: ١٠) وَتَأْثِيرُ الْمَطَرِ فِي الْقُلُوبِ تُفَسِّرُهُ الْمَنْفَعَةُ. (الرَّابِعَةُ) وَهُوَ تَثْبِيتُ الْأَقْدَامِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ فِي أَرْضٍ تَسُوخُ فِيهَا قَدَمُهُ كُلَّمَا تَحَرَّكَ وَهُوَ قَدْ يُقَاتِلُ فَارِسًا لَا رَاجِلًا لَا يَكُونُ إِلَّا وَجِلًا مُضْطَرِبَ الْقَلْبِ.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا الظَّرْفُ هُنَا غَيْرُ بَدَلٍ مِنْ " إِذْ " فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ وَلَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يُثَبِّتُ " وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُثَبِّتُ الْأَقْدَامَ بِالْمَطَرِ فِي وَقْتِ الْكِفَاحِ، الَّذِي يُوحِي رَبُّكَ فِيهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ آمِرًا لَهُمْ أَنْ يُثَبِّتُوا بِهِ الْأَنْفُسَ بِمُلَابَسَتِهِمْ لَهَا وَاتِّصَالِهِمْ بِهَا، وَإِلْهَامِهَا تَذَكُّرَ وَعْدِ اللهِ لِرَسُولِهِ، وَكَوْنِهِ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَالْمَعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: أَنِّي مَعَكُمْ مَعِيَّةُ الْإِعَانَةِ كَقَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٨: ٤٦) .
سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الرُّعْبُ بِوَزْنِ قُفْلٍ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ رَعَبَهُ (وَتُضَمُّ عَيْنُهُ) وَبِهِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، وَمَعْنَاهُ الْخَوْفُ الَّذِي يَمْلَأُ الْقَلْبَ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمَلْءِ يُقَالُ: رَعَبْتُ الْحَوْضَ أَوِ الْإِنَاءَ أَيْ مَلَأْتُهُ، وَرَعَبَ السَّيْلُ الْوَادِي. وَقِيلَ: أَصْلُ مَعْنَاهُ الْقَطْعُ إِذْ يُقَالُ رَعَبْتُ السَّنَامَ وَرَعَبْتُهُ تَرْعِيبًا إِذَا قَطَعْتُهُ طُولًا، وَفَسَّرَهُ الرَّاغِبُ بِمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ: الرُّعْبُ الِانْقِطَاعُ مِنِ امْتِلَاءِ الْخَوْفِ اهـ. وَيُقَالُ: رَعَبْتُهُ (مِنْ بَابِ فَتَحَ) وَأَرْعَبْتُهُ، وَأَبْلَغُ مِنْهُ تَعْبِيرُ التَّنْزِيلِ بِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ، وَبِقَذْفِ الرُّعْبِ فِي الْقَلْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ يُصَبُّ فِي الْقُلُوبِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ - أَيْ: فَاضْرِبُوا الْهَامَ وَافْلِقُوا الرُّءُوسَ أَوِ اضْرِبُوا عَلَى الْأَعْنَاقِ، وَقَطِّعُوا الْأَيْدِيَ ذَاتَ الْبَنَانِ الَّتِي هِيَ أَدَاةُ التَّصَرُّفِ فِي الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي حَالِ هُجُومِ الْفَارِسِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى الرَّاجِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ هَذَا إِلَى قَطْعِ يَدِهِ قَطَعَ ذَاكَ رَأْسَهُ. وَالْبَنَانُ جَمْعُ بَنَانَةٍ وَهُوَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ.
وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَنْ بَعْضِ الْمَغَازِيِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَمُرُّ بَيْنَ الْقَتْلَى بِبَدْرٍ - أَيْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَعْرَكَةِ - وَيَقُولُ: " نَفْلِقُ هَامًا " فَيُتِمُّ الْبَيْتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ
نَفْلِقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ ... عَلَيْنَا، وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَلَمِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ مِنَ الضَّرُورَةِ الَّتِي اضْطَرَّتْهُمْ إِلَى قَتْلِ صَنَادِيدِ قَوْمِهِ. وَاسْمُ التَّفْضِيلِ فِي " أَعَقَّ وَأَظْلَمَ " هُنَا عَلَى غَيْرِ بَابِهِ مُرَاعَاةً لِلظَّاهِرِ
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَحْدَهُمْ هُمُ الَّذِينَ عَقُّوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَلَمُوهُ هُوَ وَمَنْ آمَنَ بِهِ، حَتَّى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.