النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قُتِلُوا بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ، وَعَلَى الْبَنَانِ، مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدْ أُحْرِقَ بِهِ " وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الرَّبِيعُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي رُؤِيَ مِنَ الْقَتْلَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وَكَمْ عَدَدُ مَنْ قَتَلَ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّبْعِينَ، وَعَدَدُ مَنْ قَتَلَ أَهْلُ بَدْرٍ غَيْرَ مَنْ سُمُّوا وَقَالُوا قَتَلَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ كَفَانَا اللهُ شَرَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي شَوَّهَتِ التَّفْسِيرَ وَقَلَبَتِ الْحَقَائِقَ، حَتَّى إِنَّهَا خَالَفَتْ نَصَّ الْقُرْآنِ نَفْسَهُ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي إِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ: وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ تَقُولُ بَلْ جَعَلَهَا مُقَاتَلَةً، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُمْ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ أَلْفٍ أَوْ أُلُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ أَسْبَابِ النُّصْرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ! .
أَلَا إِنَّ فِي هَذَا مِنْ شَأْنِ تَعْظِيمِ الْمُشْرِكِينَ، وَرَفْعِ شَأْنِهِمْ، وَتَكْبِيرِ شَجَاعَتِهِمْ، وَتَصْغِيرِ شَأْنِ أَفْضَلِ أَصْحَابِ الرَّسُولِ، وَأَشْجَعِهِمْ مَا لَا يَصْدُرُ عَنْ عَاقِلٍ إِلَّا وَقَدْ سُلِبَ عَقْلُهُ لِتَصْحِيحِ رِوَايَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا يَصِحُّ لَهَا سَنَدٌ، وَلَمْ يُرْفَعْ مِنْهَا إِلَّا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ بِغَيْرِ سَنَدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَحْضُرْ غَزْوَةَ بَدْرٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا، فَرِوَايَاتُهُ عَنْهَا حَتَّى فِي الصَّحِيحِ مُرْسَلَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ حَتَّى عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَأَمْثَالِهِ.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ كُلَّهُ مِنْ تَأْيِيدِهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَخِذْلَانِهِ لِلْمُشْرِكِينَ ; بِسَبَبِ أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ أَيْ عَادُوهُمَا، فَكَانَ
كُلٌّ مِنْهُمَا فِي شِقٍّ غَيْرِ الَّذِي فِيهِ الْآخَرُ فَاللهُ هُوَ الْحَقُّ وَالدَّاعِي إِلَى الْحَقِّ، وَرَسُولُهُ هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ الْحَقَّ، وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى الْبَاطِلِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّرُورِ وَالْخُرَافَاتِ وَمِنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ أَيْ: فَإِنَّ عِقَابَ اللهِ شَدِيدٌ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْمُشَاقُّونَ لَهُ بِإِيثَارِ الشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ الطَّاغُوتِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَبِالِاعْتِدَاءِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ أَوَّلًا بِمُحَاوَلَةِ رَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ بِالْقُوَّةِ وَالْقَهْرِ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ثُمَّ اتِّبَاعِهِمْ إِلَى مَهْجَرِهِمْ يُقَاتِلُونَهُمْ فِيهِ.
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ الْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ الْمُنْكَسِرِينَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، أَيْ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَسْرَى وَالْمَهْزُومِينَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ عَنِ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قَبْلَهُ: بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمَعْنَى الْأَمْرُ ذَلِكُمْ - أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُبَيَّنَ آنِفًا وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ يُشَاقُّهُ وَرَسُولَهُ - فَذُوقُوا هَذَا الْعِقَابَ الشَّدِيدَ، وَهُوَ الِانْكِسَارُ وَالِانْهِزَامُ مَعَ الْخِزْيِ وَالذُّلِّ أَمَامَ فِئَةٍ قَلِيلَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ هَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ وَالْأَمْرُ الْمُقَرَّرُ مَعَ هَذَا الْعِقَابِ الدُّنْيَوِيِّ أَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، فَمَنْ أَصَرَّ مِنْكُمْ عَلَى كُفْرِهِ عُذِّبَ هُنَالِكَ فِيهَا، وَهُوَ شَرُّ الْعَذَابَيْنِ وَأَدْوَمُهُمَا، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِلْكُفَّارِ آيَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.