بَعْدِ مَا أَرَى أَسْلَافَنَا مَا يُحِبُّونَ، وَأَعْجَبَتْنَا كَثْرَتُنَا فَلَمْ تُغْنِ عَنَّا شَيْئًا، فَبَدَّلَ عِزَّنَا بِالذُّلِّ، وَسُمُوَّنَا بِالِانْحِطَاطِ، وَغِنَانَا بِالْفَقْرِ، وَسِيَادَتَنَا بِالْعُبُودِيَّةِ. نَبَذْنَا أَوَامِرَ اللهِ ظِهْرِيًّا، وَتَخَاذَلْنَا عَنْ نَصْرِهِ، فَجَازَانَا بِسُوءِ أَعْمَالِنَا، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا سَبِيلٌ إِلَى النَّجَاةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ.
كَيْفَ لَا نَلُومُ أَنْفُسَنَا، وَنَحْنُ نَرَى الْأَجَانِبَ عَنَّا يَغْتَصِبُونَ دِيَارَنَا، وَيَسْتَذِلُّونَ أَهْلَهَا، وَيَسْفِكُونَ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَلَا نَرَى فِي أَحَدٍ مِنَّا حِرَاكًا؟
هَذَا الْعَدَدُ الْوَافِرُ، وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ لَا يَبْذُلُونَ فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوَدُّ لَوْ يَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ غِذَاؤُهُ الذِّلَّةَ، وَكِسَاؤُهُ الْمَسْكَنَةَ، وَمَسْكَنُهُ الْهَوَانَ، تَفَرَّقَتْ كَلِمَتُنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَادَ يَتَقَطَّعُ مَا بَيْنَنَا، لَا يَحِنُّ أَخٌ لِأَخِيهِ، وَلَا يُهَمُّ جَارٌ بِشَأْنِ جَارِهِ، وَلَا يَرْقُبُ أَحَدُنَا فِي الْآخَرِ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا نَحْتَرِمُ شَعَائِرَ دِينِنَا، وَلَا نُدَافِعُ عَنْ حَوْزَتِهِ، وَلَا نُعَزِّزُهُ بِمَا نَبْذُلُ مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَرْوَاحِنَا حَسْبَمَا أَمَرَنَا.
أَيَحْسَبُ اللَّابِسُونَ لِبَاسَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللهَ يَرْضَى مِنْهُمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَا يَمَسُّ سَوَادَ الْقُلُوبِ؟ هَلْ يَرْضَى مِنْهُمْ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ عَلَى حَرْفٍ؟ فَإِنْ أَصَابَهُمْ خَيْرٌ اطْمَأَنُّوا بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ انْقَلَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ؟ هَلْ ظَنُّوا أَلَّا يَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ، وَلَا يُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ؟ أَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ لَا يَذْرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؟ هَلْ نَسُوا أَنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِلْقِيَامِ بِنَصْرِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ لَا يَبْخَلُونَ فِي سَبِيلِهِ بِمَالٍ، وَلَا يَشُحُّونَ بِنَفْسٍ؟ فَهَلْ لِمُؤْمِنٍ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَزْعُمَ نَفْسَهُ مُؤْمِنًا، وَهُوَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً فِي سَبِيلِ الْإِيمَانِ، لَا بِمَالِهِ وَلَا بِرُوحِهِ؟ .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ إِذَا قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ - لَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا إِيمَانًا وَثَبَاتًا، وَيَقُولُونَ فِي إِقْدَامِهِمْ: حَسْبُنَا
اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٣: ١٧٣) . كَيْفَ يَخْشَى الْمَوْتَ الْمُؤْمِنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْتُولَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَيُّ يُرْزَقُ عِنْدَ رَبِّهِ؟ مُمَتَّعٌ بِالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، كَيْفَ يَخَافُ مُؤْمِنٌ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَاللهُ يَقُولُ: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣: ١٧٥) .
فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَتَّبِعُ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ، وَلْيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ قَلْبَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا تَنْفَعُ فِيهِ خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وَلْيُطَابِقْ بَيْنَ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا جَعَلَهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِيمَانِ، فَلَوْ فَعَلَ كُلٌّ مِنَّا ذَلِكَ لَرَأَيْنَا عَدْلَ اللهِ فِينَا وَاهْتَدَيْنَا.
يَا سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُنَا أُمَّةً وَاحِدَةً، وَالْعَمَلُ فِي صِيَانَتِهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ أَهَمُّ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الدِّينِ عِنْدَ حُصُولِ الِاعْتِدَاءِ، يُثْبِتُ ذَلِكَ نَصُّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَمَا لَنَا نَرَى الْأَجَانِبَ يَصُولُونَ عَلَى الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ صَوْلَةً بَعْدَ صَوْلَةٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.