كَلِمَتِهِمْ عَلَى احْتِمَالِ عَدَاوَةِ بُيُوتِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مِمَّا يُمْكِنُ نَيْلُهُ بِالْمَالِ وَآمَالِ الدُّنْيَا - وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ صَارَ بِيَدِهِ فِي الْمَدِينَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِنْهُمَا بِنَصْرِ اللهِ لَهُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ جَمِيعًا - وَأَمَّا مَجْمُوعُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَقَدْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمَا لَوْلَا فَضْلُ اللهِ وَعِنَايَتُهُ مَدْعَاةَ التَّحَاسُدِ وَالتَّنَازُعِ، لِمَا سَبَقَ لَهُمَا مِنْ عَصَبِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا كَانَ لَدَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَزِيَّةِ قُرْبِ الرَّسُولِ وَالسَّبْقِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَمَا لَدَى الْأَنْصَارِ مِنَ الْمَالِ وَالْقُوَّةِ وَإِنْقَاذِ الرَّسُولِ وَالْمُهَاجِرِينَ جَمِيعًا مِنْ ظُلْمِ قَوْمِهِمْ، وَمِنَ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ بِإِيوَائِهِمْ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَفِي هَذَا وَذَاكَ مِنْ دَوَاعِي التَّغَايُرِ وَالتَّحَاسُدِ مَا لَا يُمْكِنُ
أَنْ يَزُولَ بِالْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ لِلرَّسُولِ: لَسْتَ أَنْتَ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِهِدَايَتِهِمْ إِلَى هَذَا الْإِيمَانِ بِالْفِعْلِ، الَّذِي دَعَوْتَهَمْ إِلَيْهِ بِالْقَوْلِ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (٢٨: ٥٦) وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَهِدَايَةُ الدَّعْوَةِ وَالْبَيَانُ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٢: ٥٢) بِالدِّعَايَةِ، وَتَدْعُو اللهَ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ مَعَكَ بِقَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١: ٦) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْعِنَايَةِ. وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى صَحَابَةِ رَسُولِهِ تُفَنِّدُ مَطَاعِنَ الرَّافِضَةِ الضَّالَّةِ الْخَاسِرَةِ فِيهِمْ.
لَا يُوجَدُ سَبَبٌ لِلتَّوْحِيدِ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الْبَشَرِ كَالتَّآلُفِ وَالتَّحَابِّ، وَلَا يُوجَدُ سَبَبٌ لِلتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ كَأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: قَرَابَةُ الرَّحِمِ تُقْطَعُ، وَمِنَّةُ النِّعْمَةِ تُكْفَرُ، وَلَمْ يُرَ مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِنَّ الرَّحِمَ لَتُقَطَعُ، وَإِنَّ النِّعْمَةَ لَتُكْفَرُ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا قَارَبَ بَيْنَ الْقُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ. ثُمَّ قَرَأَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ.
وَقَدْ وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي التَّحَابِّ فِي اللهِ مَا يُنْبِئُ بِشَأْنِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ، وَيُرَغِّبُ فِيهَا، وَاتَّفَقَ حُكَمَاءُ الْبَشَرِ غَابِرُهُمْ وَحَاضِرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَعْظَمُ الرَّوَابِطِ بَيْنَ الْبَشَرِ، وَأَقْوَى الْأَسْبَابِ لِسَعَادَةِ الِاجْتِمَاعِ الْإِنْسَانِيِّ وَارْتِقَائِهِ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا فُقِدَتْ لَا يَحُلُّ مَحِلَّهَا شَيْءٌ فِي مَنْعِ الشَّرِّ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ الْحَقِّ، إِلَّا فَضِيلَةُ الْعَدْلِ. وَلَمَّا كَانَتْ وَهْمِيَّةً غَيْرَ اخْتِيَارِيَّةٍ، وَكَانَ الْعَدْلُ مِنَ الْأَعْمَالِ الْكَسْبِيَّةِ، جَعَلَ الْإِسْلَامُ الْمَحَبَّةَ فَضِيلَةً وَالْعَدْلَ فَرِيضَةً، وَأَوْجَبَهُ لِجَمِيعِ النَّاسِ فِي الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَحُكُومَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ كَافِرٍ، وَلَا بَرٌّ دُونَ فَاجِرٍ، وَلَا قَرِيبٌ مِنَ الْحَاكِمِ دُونَ بَعِيدٍ، وَلَا غَنِيٌّ دُونَ فَقِيرٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ هَذَا فِي تَفسِيرِ الْآيَاتِ الْمُقَرِّرَةِ لَهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.