الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ، وَالسُّورَةُ
كُلُّهَا نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَحُكْمُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنَّهُمْ يَلْتَحِقُونَ بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ أَحْكَامِ وِلَايَتِهِمْ وَجَزَائِهِمْ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ فِي الْوِلَايَةِ، يَجِبُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالْمُوَارَثَةِ مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَلِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى مَا أَعْلَمُ.
وَأَقُولُ: إِنَّ جَعْلَهُمْ تَبَعًا لَهُمْ وَعَدَّهُمْ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ السَّابِقَيْنِ عَلَى اللَّاحِقِينَ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ مِنْ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ وَغِنًى وَفَقْرٍ، قَالَ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى (٥٧: ١٠) وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩: ١٠٠) وَقَدْ بَيَّنَ فِي سِيَاقِ قِسْمَةِ الْفَيْءِ مِنْ سُورَةِ الْحَشْرِ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ الثَّلَاثَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٥: ٨ - ١٠) وَفَضِيلَةُ السَّبْقِ مَعْلُومَةٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦: ١٠ - ١٢) وَالرَّوَافِضُ يَكْفُرُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا بِمَا يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَى جُمْهُوِرِ الصَّحَابَةَ وَعَلَى السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ خَاصَّةً، وَمِنَ
الْمَعْلُومِ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ أَوَّلَ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ مَعًا الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى بِصِدْقِهِمْ هُوَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَسَخِطَ عَلَى أَعْدَائِهِ وَالطَّاعِنِينَ فِيهِ الْمُكَذِّبِينَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ ضِمْنًا.
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ أُولُو الْأَرْحَامِ: هُمْ أَصْحَابُ الْقَرَابَةِ جَمْعُ رَحِمٍ (كَكَتِفٍ وَقُفْلٍ) وَأَصْلُهُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ تَكْوِينِ الْوَلَدِ مِنْ بَطْنِهَا، وَيُسَمَّى بِهِ الْأَقَارِبُ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ مِنْ رَحِمٍ وَاحِدٍ، وَفِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْفَرَائِضِ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ وَهُمْ عَشْرَةُ أَصْنَافٍ: الْخَالُ وَالْخَالَةُ، وَالْجَدُّ لِلْأُمِّ، وَوَلَدُ الْبِنْتِ، وَوَلَدُ الْأُخْتِ، وَبِنْتُ الْأَخِ، وَبِنْتُ الْعَمِّ، وَالْعَمَّةُ، وَالْعَمُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.