وَقلت لَهُم: إِن فِي هَذَا الْبَيْت فَارًّا قد آذوني، ويقذرونني إِذا قربوا مني، فَاقْطَعُوا لي جَرِيدَة من النّخل أطردهم بهَا.
فَقطعُوا لي من بعض نخل الْبُسْتَان جَرِيدَة، فرموا بهَا إِلَيّ، وَكنت لَا أَزَال أضْرب بهَا فِي الْبَيْت، أريهم أَنِّي أطْرد الفار، وأسمعهم صَوتهَا أَيَّامًا، ثمَّ قشرت الخوص عَنْهَا، وقطعتها على مِقْدَار مَا ظَنَنْت أَنه يعْتَرض فِي ذَلِك الْخَلَاء إِذا رميت بهَا، فضممت مَا قطعته مِنْهَا بعضه إِلَى بعض، وقصصت اللبد، وفتلت مِنْهُ حبلا، على مَا كنت أرى يعْمل بغرش، ثمَّ شددت مَا قطعته من الجريدة فِي رَأس الْحَبل، ثمَّ رميت بِهِ فِي الكوة، وعالجته مرَارًا حَتَّى اعْترض فِيهَا، ثمَّ اعتمدت عَلَيْهَا وصعدت إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَفعلت ذَلِك مرَارًا، فِي أَيَّام كَثِيرَة، وتمكنت من الْحَرَكَة؛ لِأَنِّي بردت بِجَانِب المقراض إِحْدَى حلقتي الْقَيْد، وَلم يمكنني أَن أبرد الْأُخْرَى، فَكنت إِذا أردْت الْحَرَكَة، شددت الْقَيْد مَعَ ساقي، وأتحرك، وَقد صرت مُطلقًا.
فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه اللَّيْلَة، وَقد شغل النَّاس بالعيد، وَانْصَرف من كَانَ على الْبَاب من الموكلين، فَلم أحس مِنْهُم أحدا إِلَّا شَيخا وَاحِدًا كنت أسمع كَلَامه وحركته، وأطلع فَأرَاهُ.
فَصَعدت بَين العشائين إِلَى الغرفة، وَمن الغرفة إِلَى السَّطْح، فَأَشْرَفت، فَإِذا المعتصم يفْطر وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ، والشموع تزهر، فَرَجَعت.
فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل صعدت وَالنَّاس نيام، وَنزلت إِلَى الْبُسْتَان، فَإِذا فِيهِ قَائِد وَمَعَهُ جمَاعَة، فصاح بِي بَعضهم: من أَنْت؟
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.