للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال عبد الرزاق (١٧٩): أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبي صلى الله عليه وآله [١] وسلم، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن [٢] ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأ [٣] عليه، فقال الحارث: إنك -والله ما علمت- لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم فحسن إسلامه.

فقوله تعالى: ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]﴾، أي: قامت عليهم الحجج والبراهين، على صدق مما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب، ولا يخفف عنهم ساعة واحدة.

ثم قال تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من لطفه وبِرّه، ورأفته ورحمته، وعائدته على خلقه، أن من تاب إليه تاب عليه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)

يقول تعالى متوعدًا ومهددًا [٤] لمن كفر من [٥] بعد إيمانه، ثم ازداد [٦] كفرًا، أي استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا [بأنهم لن تقبل لهم] [٧] توبة عند الممات [٨]، كما قال تعالى: ﴿وَلَيسَتِ


(١٧٩) - أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٢٥)، ومن طريقه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٧٣) رقم (٧٣٦٣).