[ولهذا قال هاهنا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ][١] وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج [٢] الحق إلى طريق الغي.
قال الحافظ أبو بكر البزار (١٨٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي [هند، عن][٣] عكرمة، عن ابن عباس، أن قومًا أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هكذا رواه وإسناده جيد.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ أي: من مات على الكفر، فلن يقبل منه خير [٤] أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا [ولو افتدى به][٥] فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدعان - وكان يقري الضيف، ويفك العاني، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال:"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"(١٨١).
وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضًا ذهبًا، ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا [٦] يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقال: ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ فعطف ولو افتدى به على الأوّل؛ فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم.
(١٨٠) - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٨٨) وعزاه إلى البزار عن ابن عباس. وقال: هذا خطأ من البزار. (١٨١) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، حديث (٢١٤) من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". وسيأتي الحديث في سورة النساء آية (٣٧).